Blogger Widgets

الأحد، 15 يناير 2012

العدالة في دعم الصحة التقاضي والتحقيقات العامة كوسيلتين لمكافحة التبغ


©  منظمة الصحة العالمية، 2002
هذه الوثيقة  ليست من المنشورات الرسمية لمنظمة الصحة العالمية، وجميع الحقوق المتصلة بها محفوظة للمنظمة. غير أنه يجوز استعراض هذه الوثيقة أو تلخيصها أو الاقتباس منها أو استنساخها أو ترجمتها، جزئياً أو كلياً، على أن لا يكون ذلك لأغراض البيع أو الاستخدام لغايات تجارية.
أما الآراء الواردة في وثائق تحمل أسماء كاتبيها فيتحمل مسؤوليتها أولئك الكاتبون وحدهم.
طبعت بواسطة
الوثيقة رقم WHO-EM///E/G//
WHO-EM/TFI/007/A/9
العدالة في دعم الصحة
التقاضي والتحقيقات العامة كوسيلتين لمكافحة التبغ
المحتوى
رقم الصفحة
تقديم الدكتور حسين الجزائري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية    3
ملخص موجز    5
تقديم الدكتور ديديك ياخ، المدير التنفيذي لقسم الأمراض غير السارية والصحة النفسية    9
1.    مقدمــة    11
منظمة الصحة العالمية ومبادرة التحرر من التبغ    12
مشاورة عمان    13
2.    خمسون عاماً في ساحة القضاء: تاريخ موجز لقضايا التبغ بالولايات المتحدة    14
الموجة الأولى    14
الموجة الثانية    15
الأرض المحرقة     15
صدع في الجدار    16
موجة جديدة    18
الدعاوى الحكومية    21
القضايا الجماعية    23
قضايا فردية في الموجة الثالثة    24
أنواع أخرى من التقاضي ضمن الموجة الثالثة    25   
الخاتمة    26
3.    التقاضي: التجربة العالمية    27
4.    نقطة الانطلاق: مستندات صناعة التبغ    34
5.    التحقيقات العامة: بديل قابل للتطبيق    37
6.    الاختيارات والقرارات: عرض طبوغرافي للتقاضي    39
7.    التقاضي: الدروس المستفادة    47
8.    خطوات إلى الأمام    49
9.    الخلاصة    52
شكر     54
الملحق

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الدكتور/ حسين عبد الرزاق الجزائري
المدير الإقليمي لإقليم لشرق المتوسط – منظمة الصحة العالمية
لقد ثبت على مر السنين أن شركات التبغ قد قامت ولا تزال تقوم بعدد هائل من الأعمال بغية إعاقة الدعاوى التي أقامتها مؤسسات الصحة. كما ثبت أيضاً بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك الشركات قد حجبت الكثير من الحقائق حول مضار التدخين، وأنها قد حاربت ضد فرض قوانين مكافحة التدخين، وأنها قد حاولت السيطرة وبسط النفوذ على متخذي القرار في كل مكان بهدف مقاومة تدابير مكافحة التبغ.
لقد كانت شركات التبغ ولا تزال تستخدم كل ما يمكن من أدوات لتسويق منتجاتها الفتاكة، وهي على علم تام بطبيعتها الضارة. ومن المحتم القول أن الأوان قد آن ليكافح العاملون في الصحة العامة هذه النيران بكل ما أوتوا من قوة. ويتعين على العاملين في الصحة العامة أيضاً أن يستخدموا كل ما يتاح لهم من وسائل بغية تحقيق هدفهم، وهو اقتلاع وباء التبغ من جذوره.
ولقد اعترفت مبادرة منظمة الصحة العالمية للتحرر من التبغ بحاجة العاملين في حقل الصحة العامة إلى تنويع مجهوداتهم الرامية إلى مكافحة التدخين في مجالات أخرى غير العلم. ولقد وضعت مبادرة التحرر من التبغ خلال العام الماضي استراتيجية لتجميع التحقيقات العامة بهدف فتح المجال أمام عملية التنويع هذه.
لقد كان الهدف من وضع مبادرة التحرر من التبغ لهذا الملخص الوافي هو تزويد الدول والأفراد على حد سواء على المستويات القطرية والإقليمية والعالمية بالمعلومات والدعم والمساعدة الفنية بشأن التقاضي والتحقيقات العامة باعتبارهما أداتين من أدوات مكافحة التبغ. فهذان العنصران قد ظهرا كأساليب رئيسية في مجال مكافحة التبغ، ومن ثم فقد كان من الأهمية بمكان أن يغتنم العاملون في حقل الصحة العامة هذه الفرصة لكي تطأ أقدامهم بلاداً أخرى غير بلاد العلم والإحصاءات الطبية وأن يتسلحوا بوسائل أخرى وأدوات جديدة لمكافحة التبغ.
ولقد ارتكز هذا الملخص على "المشاورة بشأن التقاضي والتحقيقات العامة كأداتين من أدوات الصحة العامة" التي نظمها وأشرف على انعقادها المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، بالتعاون مع سكرتارية منظمة الصحة العالمية خلال الفترة من 5 إلى 7 شباط/فبراير 2001 في مدينة عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية. ولقد عبر خلال هذه المشاورة نيف وعشرون دولة عضو عن الحاجة الملحة لفهم نطاق وحجم التقاضي والتحقيقات العامة كأداتين من أدوات مكافحة التبغ للوصول إلى إقرار أفضل السبل للجمع بين العلم والقانون لكبح جماح وباء التبغ.
تقتل الأمراض ذات الصلة بتعاطي التبغ ما يربو على أربعة ملايين نسمة كل عام، ومنطقة شرق المتوسط على وجه التحديد تواجه تحديا هائلا نظراً لارتفاع معدلات تعاطى التبغ فيها. وفي معظم دول هذه المنطقة نجد أن نسبة المدخنين تبلغ 50% بين الرجال وتتجاوز 10% بين النساء، ومكمن الخطر هنا هو وضع الشباب من الجنسين، ففي بعض دول الأعضاء يصل معدل التدخين لديهم إلى 20% وهذه الأرقام المرعبة هي المحصلة المباشرة وغير المباشرة للحملات الإعلانية التي تروج للتبغ، وهي أيضاً نواقيس خطر تدق في آذاننا لننتبه لها فإذا ما استمرت الحال على ما هي عليه فستواجه هذه المنطقة – لا محالة – كارثة محققة.
وما دمنا على ثقة ويقين بشرعية قضيتنا وسمو غايتنا، فعلينا أن نتحرك سوياً كعاملين في حقل الصحة، وعلينا أيضاً أن نتعاون مع القطاعات الأخرى في المجتمع بغية اتخاذ موقف موحد ضد أعتى ما يهدد صحة الإنسان من مخاطر في العصر الحديث. يتحتم علينا أن نحض كل القطاعات الأخرى ونحثها على أن تلعب دوراً في مجال مكافحة التبغ. وهذه الخطوة قد يسرها الجهد الهائل الذي بذلته مبادرة التحرر من التبغ في وضع هذا الملخص.
ولقد تمخض العمل الذي بدأه التقرير البحثي الذي صدر في يوليو  2000 الذي أعدته منظمة الصحة العالمية بشأن ما تقوم به شركات صناعة التبغ من أعمال سبق أن تحديد هدف واضح هو إجهاض ما تبذله منظمة الصحة العالمية من جهود لمكافحة التبغ، تمخض عن صدور وثيقتين هامتين عن المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، وهما القسمين الأول والثاني من "صوت الحقيقة". إنني أتمنى بل وأتوقع أن يكون هذا الملخص رافداً من روافد دعم مكافحة التبغ في هذه المنطقة وفي العالم أجمع.
ختاماً يطيب لي أن أشكر كل من ساهم في إعداد هذا الملخص وأهيب بمبادرات التحرر من التبغ في كل المناطق والأقاليم أن تواصل تعاونها وجهدها المشترك لكي ينتشر هذا العمل الناجح على نطاق أكثر اتساعاً.



ملخص موجز
مقدمة
إن وباء التعاطي للتبغ في أنحاء العالم يمثل تحديات غير تقليدية ومن ثم فهو يسترعي وسائل تعامل غير تقليدية للتصدي له. ولقد كان التقاضي، على نحو خاص، أحد أساليب التدخل غير المطروقة وهو ما استرعى انتباه العالم أجمع في أعقاب القضايا القانونية التي رفعت في الولايات المتحدة الأمريكية وفي غيرها من بلدان العالم. واستجابة لهذا المد من الاهتمام بهذه الأداة الجديدة من أدوات الصحة العامة بادرت منظمة الصحة العالمية إلى بذل جهود لمساعدة العديد من الدول الأعضاء لكي تتفهم الآثار العالمية التي تنشأ عن التقاضي بشأن التبغ. فلقد دعا المكتب الإقليمي لشرق المتوسط في فبراير 2001، بدعم كريم من المملكة الأردنية الهاشمية، خمسين من كبار المسئولين وفقهاء القانون والأكاديميين والمحامين وغير ذلك من الخبراء من ما يقرب من عشرين دولة عضو في عمان ليبدأوا في إنشاء آلية عالمية لمزيد من استخدام التقاضي والتحقيقات العامة بشكل أكثر فاعلية وهذا التقرير واحد من نتاج تلك العملية التي بدأت على أرض عمان.
عرض تاريخي موجز للتقاضي بشأن التبغ في الولايات المتحدة الأمريكية
لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية منشأ معظم ما اكتسبه العالم من خبرات بشأن التقاضي في مجال التبغ، حيث كان للقضايا تاريخ طويل على مدى خمسين عاما تقريباً ما بين مد وجزر. ولقد نجحت شركات التبغ على موجتين من التقاضي على مدى الفترة من 1954 حتى نهاية الثمانيات من القرن الماضي في التصدي لمئات من القضايا التي رفعها مدخنون أصابهم الضرر جراء التدخين، وتأتى لها ذلك أولاً بإنكار أن التبغ يسبب أمراضاً، ثم بالادعاء بأن مضار التدخين أمر معلوم للكافة. ولقد كان هذا النجاح على مدى ثلاثين عاماً يرجع في الأساس إلى استراتيجية مقصودة من جانب شركات التبغ وهي أن تجعل رفع مثل هذه الدعاوى باهظة التكاليف الأمر الذي يجعل أشد الخصوم وألدهم لا يقدم عليها، وهذه الاستراتيجية أطلق عليها أسم "الأرض المحرّقة" (Scorched earth).
وفي أوائل التسعينيات تضافرت عوامل ثلاثة لخلق موجة جديدة، الموجة الثالثة من القضايا، وهي الموجة التي ينتظر أن يكون على يديها نهاية صناعة التبغ التي لا تغلب. ولقد وفرت المعلومات التي كشف النقاب عنها من داخل الصناعة ذاتها أساساً جديدا لأدلة الإثبات التي يمكن أن تؤسس عليها الدعاوى، كما ظهرت أيضاً أنماط جديدة للتقاضي الجماعي الذي سمح بحشد موارد لم يسبق أن حشدت على هذا النحو، كما ظهرت أيضاً نظريات قانونية نحت جانباً الدفوع التقليدية التي سبق وأن استندت إليها شركات التبغ بأن الضحية – المجني عليه – هو الملوم. هذه العوامل الثلاثة هي التي دفعت وحفزت رفع مئات من القضايا. وعلى الرغم من أن معظم هذه القضايا أصابها ما أصاب سابقيها عبر العقود الماضية من فشل، إلا أن عدداً لا بأس به من القضايا الكبيرة قد نجحت وأظهرت قدرة التقاضي على إحراز تقدم على طريق مكافحة التبغ، بشكل لا يمكن إنكاره.
إن القضايا التي رفعتها حكومات بعض الدول في أواسط التسعينيات قد تمخض عنها أكبر خمس تسويات قانونية في التاريخ، حيث أجبرت شركات التبغ على أن تفصح عن ملايين من المستندات السرية لهذه الصناعة، إضافة إلى التغيرات الهامة في تسويق التبغ واسترداد مبالغ نقدية هائلة. ولقد كانت الدعاوى الجماعية التي رفعت نيابة عن مجموعات كبيرة من الضحايا غير ناجحة إلى حد بعيد، إلا أن اثنتين منها قد حققتا نتائج مرحلية مذهلة، الأمر الذي يوضح القوة الكامنة في القضايا الجماعية هذه. كما دبت من جديد الحياة في أوصال القضايا المرفوعة من الأفراد على أساس الضرر الشخصي، ذلك لأن القضاة قد وجدوا في عدد من تلك القضايا الأساس الذي يستند إليه المدخنون الأفراد في دعاواهم، وليس الأمر هكذا فحسب بل أن هؤلاء القضاة قد حكموا بمبالغ ضخمة من قبيل التعويضات العقابية، وهي نتائج إذا ما أخذت بها محاكم الاستئناف ستجعل القضايا الفردية أكثر جدوى ووفراً من أي وقت مضى.
ومن المفهوم تماماً أن النجاح المذهل الذي تحقق في عدد قليل من القضايا الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية قد اجتذب الاهتمام في كل أنحاء العالم، إلا أنه من المهم أن نتذكر أن النجاح يظل أمراً مظنوناً، وأن الكثير من القضايا تواصل سيرها في طريق الفشل، الأمر الذي يجعل من الضروري لنا أن نرتاد طريق التقاضي بحذر بالغ وأن نفهم تحديات تطويع التجربة الأمريكية لتناسب النظم والتقاليد القانونية في غيرها من البلاد.
التقاضي: التجربة العالمية
التقاضي بشأن التبغ خارج الولايات المتحدة الأمريكية ظاهرة حديثة النشأة ولم تتكون بعد أنماط واضحة لها، إلا أن بعض الدعاوى الأخيرة تبين الاحتمال القوي لأن يحرز التقاضي تقدماً كبيراً على طريق مكافحة التبغ.
ففي استراليا وفي النرويج لاحقا كان هناك قضايا رائدة تعلى من شأن حقوق العاملين والعملاء في الحماية ضد التدخين السلبي وآثاره الخطيرة. ولأول مرة تنظر المحاكم الإسلامية في دعاوى استرداد تكاليف الرعاية الصحية وذلك في نظام التقاضي الحديث في المملكة العربية السعودية. كما يوفر رفع القضايا مراعاة للصالح العام في كل من بنغلادش وأوغندا دليلاً على إمكانية إحداث تغيير اجتماعي سريع عن طريق الأفكار القانونية المبتكرة، حتى مع عدم توافر موارد مالية هائلة.
كما حققت الدعاوى المرفوعة مؤخراً استناداً إلى مراعاة الصالح العام في الهند نتائج مذهلة، الأمر الذي حدا بالمحكمة العليا في الهند إلى أن تفرض العمل بقيود صارمة على التدخين في الأماكن العامة في كل أنحاء البلد. وهناك في الهند أيضاً طلبات أخرى تثبت أن هذا النجاح ليس بمعزل عن غيرة من النجاحات حيث لا يزال الطلب الذي قد يؤدي إلى احتمال إجراء بحث جنائي على مستوى الدولة ككل للاتجار غير المشروع في منتجات التبغ قيد البحث، كما أن هناك قضية أخرى حديثة فصلت فيها المحكمة العليا في ولاية كيرالا كان من شأنها تمهيد الطريق للإجراء الذي اتخذته المحكمة العليا بشأن التدخين في الأماكن العامة. وهذه الأمثلة الهندية تعطى نموذجاً يمكن للعاملين في مجال الصحة والمحاماة احتذاؤه.
نقطة الانطلاق: المستندات
إن نقطة الانطلاق للنظر بشأن ما يمكن عمله من حيث إجراء التحقيقات العامة أو التقاضي تكمن في تحليل المعلومات ذات الصلة التي تضمها مجموعة من المستندات تبلغ خمسة وثلاثين مليون صفحة من مستندات صناعة التبغ، وهذا العدد الهائل من المستندات متاح الآن أمام الباحثين. وهذه المستندات، التي هي بمثابة الرابطة الأساسية التي تربط الدليل الطبي بالمسائل القانونية، لديها القدرة على إعادة تشكيل وجهة نظر الجمهور وتهيئة المجال أمام الإجراءات القانونية. ويتعين الانتباه أولاً إلى الحض على الإفراج عن مستندات أخرى وتحسين وسائل اطلاع الجمهور عليها وتحليل ونشر محتوياتها.
التحقيقات العامة: بديل متاح
إن التحقيقات العامة إذا ما أحسن استغلالها يمكن أن تكون بمثابة أدوات الكشف عن الحقائق. ففي كثير من الدول الأعضاء يمكن أن تكون التحقيقات العامة بديلاً مغريا بالتطبيق أو مانعاً من اللجوء إلى القضاء. ويعرض أحد التحقيقات الأخيرة التي جرت في المملكة المتحدة نموذجاً للاستجوابات البرلمانية، بينما تظهر التقارير الأخيرة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية حول تدخل صناعة التبغ في برامج المنظمة والبرامج الصحية في إقليم شرق المتوسط، تبين فاعلية التحقيقات التي ترتكز على قواعد بحثية. والتحقيقات العامة تنطوي على مخاطر، ومن ثم يتعين القيام بها مع توخى الحذر، ومع ذلك فلها العديد من المزايا التي تجعل منها أسلوباً يمكن اتباعه.
اختيارات وقرارات: صورة طبوغرافية للتقاضي
لا يمكن تقدير مزايا التقاضي ومخاطره دون النظر ابتداءً إلى من سيرفع الدعوى المقترحة، وعلى من سترفع هذه الدعوى، وأين ترفع، وما هي المبادئ والنظريات القانونية التي يتعين التأكيد عليها، وما هي الطلبات التي يهيب المدعى بالمحكمة أن تجيبه إليها، وكيف تمول القضية. إن وضع الإجابات لكل تلك الأسئلة هو الذي يقرر احتمالات النجاح من عدمه.
يمكن أن يلتجئ بدعواه إلى القضاء آحاد الناس، أو مجموعات الأفراد، أو الحكومات، أو المؤسسات الخاصة، أو المنظمات غير الحكومية. وتشمل قائمة المدعى عليهم على سبيل المثال شركات التبغ الدولية والمؤسسات المملوكة للدولة، وبائعي التبغ، والحكومات، وأصحاب الأعمال، والمشروعات التجارية. ومن الواضح وجوب أن تكون المحكمة التي يلتجأ إليها هي المحكمة التي يغطى اختصاصها مكان تعاطى التبغ، إلا أن بعض الدول الأعضاء قد اختارت أن ترفع قضاياها أمام محاكم الولايات المتحدة الأمريكية وهذا أسلوب له بعض المزايا ولكن له أيضاً عدد من المساوئ.
إن اختيار الأساس القانوني الذي تستند إليه قضية ما يتطلب توخي الحذر وتنظيم الأفكار واحترام الأوضاع القانونية والاجتماعية للبلد. ولقد أكدت القضايا وجود العديد من النظريات القانونية التي ينشأ عنها الالتزام بجبر الضرر أو تعويض الإصابة الشخصية، أو الالتزام بالعقد أو اللوائح المحلية والحقوق الدستورية الأساسية، بيد أن معظم القضايا التي سيكتب لها النجاح في المستقبل هي القضايا التي ستصوغ المشكلة بأساليب جديدة تماماً. تتراوح الطلبات بين الإفراج عن مستندات، إلى الإعلان عن معلومات هامة، إلى إصدار الأوامر الزجرية، إلى الحكم بدفع مبالغ كبيرة استرداداً لتكاليف جرى التحمل بها. ونظراً إلى أن معظم قضايا التبغ مكلفة جدا، فمن الأهمية بمكان النظر في كيفية تمويل القضية. ففي الكثير من النظم القانونية تطبق قاعدة "الخاسر يتحمل التكاليف" والقيود المفروضة على الرسوم والقيود على رفع الدعاوى الجماعية، كلها أمور قد تحد من خيرات التمويل. وفي حالة السماح بتطبيق نظام الأتعاب النسبية، أي أن تكون الأتعاب نسبة من المبالغ المحكوم بها، يتعين التعامل بحذر مع هذا النظام.
التقاضي: دروس مستفادة
إن النجاحات المذهلة التي حققتها بعض القضايا جعلت الدول الأعضاء تتطلع إلى فهم الدروس المستفادة من هذه التجربة لتطبقها على حالاتها الخاصة، والبحث عن فرص لعولمة التقاضي بشأن التبغ، بيد أن اللجوء إلى القضاء ليس هو السبيل المتاح لأي إنسان وأيضاً ليس هو بالدواء الناجع لكل داء. كما أنه غير قابل للتصدير وهو ليس نظاماً جاهزاً يمكن نقله من بلد ليطبق في أخرى، بل يجب أن يعد ويصمَّم خصيصاً ليتلاءم مع الظروف والتقاليد الفردية التي يتميز بها كل بلد عن آخر.
ولكي يتأتى ذلك فلا بد من بناء القدرات العالمية وتقويتها وتدعيمها، وستكون الدول الأعضاء في حاجة إلى العون والمساندة في تكوين العناصر الضرورية، لا سيما تجميع الخبراء المتخصصين وتشجيع العمل المشترك والمساعدة في مهام ملموسة، مثل تحليل المستندات. وعلى المدى البعيد يتعين استكشاف احتمالات ظهور أنماط جديدة من التقاضي على المستوى الدولي أو قيام مؤسسات دولية.
خطوة إلى الأمام
لقد اتفق المشاركون في مشاورة عمان على أن المانع المباشر الذي يعوق التقدم هو الحاجة إلى وضع الإطار المؤسسي لعملية مساندة الدول الأعضاء في تعاملها مع القضايا المعقدة التي تنطوي عليها مكافحة التبغ، وهذا يستلزم إنشاء آلية مركزية لتكون بمثابة بؤرة انطلاق لمساعدة الدول الأعضاء لكي تستفيد استفادة فعالة من المستندات المتعلقة بالتبغ والتحقيقات العامة والتقاضي بشأنه. وهذه الآلية تَمَدُّ يد العون للدول الأعضاء بصدد جوانب فنية معينة تتعلق بتلك التحديات، تكون بمثابة العامل الحفاز القوي نحو تحقيق تقدم عالمي.
الخلاصة
إن القانون إذا ما استخدم على نحو سليم يمكنه أن يساعد في تغيير أنماط مكافحة التبغ ويوقظ سخط الجماهير ويقوي من السياسات العامة ويعالج الأضرار. وهذه الأداة القوية الجديدة ليست لكل إنسان فهي كالنار يتعين التعامل معها بحذر، إلا أن الأوان قد آن لكي نجعل القانون مكونا أساسياً من مكونات جدول الأعمال الشامل لمكافحة التبغ على مستوى العالم، على أن يكون ذلك بأسلوب يحقق التقدم للصحة والعدالة على حد سواء.


مقدمة
الدكتور ديريك ياخ
لقد شرعت منظمة الصحة العالمية منذ أربع سنوات في مسيرة مكافحة التبغ يحدوها هدف مبدئي وهو حفظ أرواح من أن تزهق ومنع أمراض من أن تحل بالناس. ولقد كان التحدي هذا تحدياً تاريخياً لعديد من الأسباب، والسببان الجديران بالذكر هما. أن هذه هي المرة الأولى خلال عمر المنظمة كله البالغ واحدا وخمسين عاما التي مارست فيه المنظمة حقها الدستوري في صياغة المعاهدات. والموافقة بالإجماع على العمل على صياغة قواعد عالمية بشأن بيع التبغ ومنتجاته، وتسويقها والترويح لها، وهكذا حفظت الدول الأعضاء عهدها بالحفاظ على الصحة من أجل الأجيال القادمة، وما الاتفاقية الإطارية حول مكافحة التبغ إلا تاريخ للصحة العامة في طور التشكيل.
قد يسأل سائل، لماذا التبغ؟ الإجابة المباشرة هي إجابة مباشرة يقدمها علم الطب. فالتبغ يقتل واحداً من كل اثنين ممن يتعاطونه بانتظام، هذا يعني أربعة ملايين حالة وفاة سنوياً يمكن تجنبها. وللصحة العامة والاقتصاد إجابة مباشرة أيضا، فالتبغ ضار والاقتصاد والصحة العامة أيضا، إلا أن التقدم في هذا الشأن أحبطته صناعة التبغ التي اتجهت صوب متعاطين جدد أصغر سنا. فخطط صناعة التبغ وتكتيكاتها هي العقبة الكؤود على طريق مكافحة التبغ. والاتفاقية الإطارية بشأن مكافحة التبغ، بتحفيزها المتواصل لكل من العلماء، والاقتصاديين، وواضعي السياسات، والمحامين، تكون قد ولدت وهم صناعة التبغ من رحم حقيقة الصحة العامة.
ولقد جاء في الوقت المناسب تماما إصدار وثيقة حول "العدالة في خدمة الصحة– التقاضي والتحقيقات العامة كأداة لمكافحة التبغ"، وبما أننا نقف اليوم بعد انقضاء خمسة عشر شهرا من توقيع وثيقة تشريعية دولية تاريخية في مجال الصحة، فإن هذا الملخص يضيف جديدا بما يحويه من تبيان لقوة التشريع، والتقاضي، والتحقيقات العامة كأدوات للصحة العامة، وهذه مجرد استجابة السيدة المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية الدكتورة غروهارلم بروندتلاند لمزيد من الحيطة والحذر، والعدالة أيضا في مكافحة التبغ. ولقد تنبهت منظمة الصحة العالمية والدول الأعضاء فيها بالتحقيق الداخلي للمنظمة في أغسطس 2000 الذي أوضح كيف تعمل شركات التبغ مجتمعة في محاولة لإفساد ما تقوم به المنظمة من عمل لمكافحة التبغ.
ولقد أخذ إقليم شرق المتوسط بزمام المبادرة في هذا المضمار بأن عقد اجتماعا في عمان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، ضم خبراء وطنيين، وإقليمين، وعالميين. ولقد قام الإقليم بتحليل وثائق صناعة التبغ وعرض هذا التحليل في وثيقة مكونة من جزئين، عنوانه "صوت الحقيقة"، الأمر الذي أضاف أدلة جديدة على الأعمال الواضحة والخفية التي تقوم بها شركات التبغ في الإقليم. وتجرى دول عديدة في الإقليم وخارجه تحقيقات مماثلة تسهم بدورها في زيادة حجم المعلومات والحقائق عن سلوك صناعة التبغ، وكان آخر تلك التحقيقات هو التقرير الأخير الذي يركز على التهريب في إيران.
إن هذا الملخص يمثل خطوة البداية في عملية التعميم على مستوى العالم لعملية اتخاذ إجراءات قانونية أشد صرامة ضد التبغ، وهذه الإجراءات إضافات تكميلية تتخذ بجانب زيادة الأسعار، وحظر الإعلانات، والإقلاع عن التدخين، وإعلان الأماكن العامة التي يمنع فيها التدخين، وتوعية الجمهور، فالكل يسهم بدوره وصولاً لخلق مناخ اجتماعي يجعل من سياسات وممارسات التحرر من التدخين السياسات والممارسات الميسورة الواضحة. ونأمل أن يكون في هذا الملخص بما حواه من أفكار ما يدفع إلى اتخاذ إجراء عاجل وفعال ضد أكبر مسبب للوفاة بالاستطاعة تجنبه.





دكتور ديريك ياخ
المدير التنفيذي
إدارة الأمراض غير السارية والصحة العقلية
منظمة الصحة العالمية

1.    مقدمة
إن الإحصاءات الخاصة بالتدخين تدعو للذهول. فثلث سكان العالم من البالغين يدخنون السجائر، ونصف هؤلاء المدخنين معرضون للموت مبكرا(1). وإذا استمر هذا الاتجاه التصاعدي لهذه الأرقام، فسوف يحصد التبغ أرواح 500 مليون نسمة على قيد الحياة في الوقت الحاضر. وبحلول عام 2020 سوف يتسبب التبغ في وفاه ثلث سكان العالم من البالغين(2).
ومما يزيد من مأساوية تلك الأرقام هو انتفاء ما يبررها، بل وإمكان تجنبها, حيث إن آثار التدخين على الصحة معروفة جيدا. وفي الواقع لم يلق موضوعاً من قبل مثل هذا القدر من الدراسة المستفيضة. فلقد صدر ما يزيد على 80000 كتاب علمي يربط بين التدخين والعديد من مسببات الوفاة(3). إلا أن تعاطى التبغ، على الرغم من ذلك، لا يزال في ازدياد مطرد وخاصة في الدول النامية(4).
إن هذا الاتجاه لم ينشأ بمحض الصدفة. فتعاطي التبغ – خلافاً لبعض الأمراض مثل الملاريا أو السل أو غيرها من الأمراض المعدية - تدعمه صناعة عالمية متقدمة لها نفوذها وثقلها المادي. كما كشفت التحقيقات الأخيرة أن تلك الصناعة تستغل سلطتها لا لتسويق منتجاتها فحسب، بل أيضا للعمل خفية وخلسة على إضعاف جهود مؤسسات الصحة العامة(5). ولهذا يلقى وباء تعاطى التبغ رعاية خاصة دون غيره من الأخطار التي تهدد الصحة العالمية.
هذا التحدي غير التقليدي من شأنه استنفار ردود أفعال غير تقليدية. فمن خلال مبادرة التحرر من التبغ (Tobacco Free Initiative “TFI”) التي تقدمت بها منظمة الصحة العالمية، تعمل المنظمة على نشر الوعي بالبراهين والأدلة العلمية وتطوير أساليب التدخل المتعددة الزوايا والجوانب، بالإضافة إلى دعم استخدام أساليب جديدة مبشرة بالخير، فمنها ما يشبه الأساليب التقليدية التي تتبعها مؤسسات الصحة العامة، مثل أسلوب العلاج السريري للاعتماد على النيكوتين، ومنها أساليب أخرى، كالقوانين الخاصة بالمنتج، وهي ليست تقليدية على النحو السابق ولكنها مازالت مألوفة بالنسبة للسلطات الصحية .
ومع هذا يظل هناك نوع جديد من التدخل قائماً بذاته، ألا وهو التقاضي، فالتقاضي - وهو عملية تخرج عن حدود خبرة الغالبية من السلطات الصحية - قد قفز فجأة ليتبوأ لنفسه مقعدا في بؤرة الاهتمام بسبب ما حققه من نتائج مذهلة في سلسلة من القضايا المرفوعة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي غيرها من العديد من الدول مؤخرا. ولقد أدهشت تلك النتائج السلطات الصحية وغيرها من القيادات في مختلف أنحاء العالم إلى حد الذهول، فباتت تبحث بشغف وفضول عملية نشأتها وفهم نتائجها على بلادها إن سارت على نفس الدرب. ولقد انصب جل الاهتمام على إمكانية التعويضات المادية الهائلة، التي انتهي الأمر بها في قليل من تلك القضايا، فأحيت بذلك أملا لا يرام في أن يوفر مثل هذا التقاضي في الدول الأخرى الثراء السهل غير المسبوق – وهو الأمل الذي حرص بعض المحامين على الإفادة منه وهو أمر بالطبع له ما يبرره. إلا أن البعض ممن أمعنوا النظر في الأمر قد ركزوا اهتمامهم في المقام الأول على المستندات الخاصة بصناعة التبغ التي تم الكشف عنها أثناء عملية التقاضي، كما ركزوا على مدى سلطتهم في تطوير عملية وضع السياسة العامة. وما زال البعض ينظرون إلى دور القضاء – أحيانا بالتنسيق مع دور التحقيقات العامة – في تشكيل مساجلات الأخذ والرد بين الجانبين المتقابلين، وفي توعية العامة. والجميع يتلهف ليأخذ من قبس تلك الطاقة الظاهرة التي يتميز بها هذا الاتجاه، ولكن ينقصهم اليقين في إمكانية حدوث ذلك، وإذا أمكن فكيف يكون البدء؟
ويرى العديد من خبراء الصحة أن فكرة التقاضي كأسلوب منظم ليست غامضة فحسب بل أيضا تبعث على عدم الارتياح بشكل غريب. فلقد درج هؤلاء الخبراء على أن يلتمسوا الحلول للمشكلات الصحية بين جدران معامل البحوث، أو في العلاج السريري لحالات مرضية، أو في تدخل المؤسسات – لا في ساحات القضاء. فهم يرون أن دعاوى الخصومات القضائية، واللغة القانونية، والمرافعات المحكمة السرد، وولوج سبل الاستئناف المعقدة، أمور غير مألوفة بالنسبة لهم. كما أن تباين النظم القانونية في الولايات المتحدة وغيرها من الدول يزيد من صعوبة محاولات الخبراء في تقدير جدوى اقتفاء خطى التقاضي في أمريكا ليطبق في بلادهم، كما هي الحال بالنسبة لتقبل اللجوء إلى القضاء حيث تختلف هذه الدرجة عند المجتمع الأمريكي الذي يرى في ذلك أمرا عاديا، بينما تراه مجتمعات أخرى على نحو مخالف.
وهذه العوامل تجعل التحدي من أجل تطبيق الدروس المستفادة من قضايا التبغ التي كتب لها النجاح خارج حدود الولايات المتحدة أمرا معقدا، وهذه العوامل هي التي أحبطت محاولات العديد من الدول المتلهفة للاستفادة من ذلك السلاح الجديد، فلجأ العديد منها إلى منظمة الصحة العالمية للحصول على المعلومات والعون والمساندة الفنية من أجل التغلب على تلك العقبات.
منظمة الصحة العالمية و مبادرة التحرر من التبغ
لقد أولت منظمة الصحة العالمية لتعاطى التبغ وأثره على الصحة اهتماماً بالغاً وذلك تحت قيادة الدكتورة غرو هارلم براندتلاند  المديرة العامة الحالية لها. وسعياً لتجسيد هذا الاهتمام، قامت المديرة العامة مباشرة عقب توليها مهام منصبها في تموز/يوليه عام 1998 بتأسيس مشروع طموح على مستوى سكرتارية المنظمة يهدف إلى المعاونة في تحقيق استجابة أكثر تنظيما وأشد شراسة لمواجهة مشكلة تعاطى التبغ في العالم وهو المعروف باسم مبادرة التحرر من التبغ. وتسعى هذه المبادرة إلى زيادة الوعي بقضية التدخين وتعبئة الموارد، بالإضافة إلى تعزيز المزيد من المشاركة، كل هذا من أجل الحث على تبنى سياسات أكثر فاعلية على المستوى  القطري والإقليمي والعالمي. وبدافع تحقيق مزيد من الأهداف، قامت هذه المبادرة بتنظيم ومساندة منظومة محورية من المؤتمرات والاجتماعات التي تضم الخبراء، ويدعمها التأييد القطري والإقليمي، بالإضافة إلى الأبحاث والكتب وغيرها من الجهود لتلبية المطالب التي حددتها الدول الأعضاء.
وعلى رأس العديد من مبادرات الحد من التدخين التي تقدمت بها منظمة الصحة العالمية جاء بحث وتقرير لجنة الخبراء التي شكلتها المديرة العامة للتحقيق فيما إذا كان منتجو التبغ قد حاولوا سراً تدمير ما تقوم به منظمة الصحة العالمية من أعمال. وقد كشف تقرير اللجنة لشهر تموز/يوليو عام2000(6) النقاب - وبالدليل القاطع - عن مخطط محكم ومنظم أخفي بمهارة لإجهاض مختلف ما تقوم به منظمة الصحة العالمية من برامج متعلقة بالتبغ على مدى سنوات عديدة.

إلا أن اهتمام منظمة الصحة العالمية المتزايد بالتبغ تمثل في الواقع بتطويرها للاتفاقية الإطارية المقترحة لمكافحة التبغ. وهي الاتفاقية التي أقرها مجلس الصحة العالمية في  عام 1999، وينتظر التفاوض بشأنها للعرض على الدول الأعضاء بحلول عام 2003، وهي بذلك ستكون أول اتفاقية عالمية حول التبغ. إن مجرد وضع تلك الاتفاقية يجعل منها نقطة لحشد الفهم العالمي المتزايد للعلاقة بين تعاطي التبغ والصحة، ولتعبئة الرأي العام وجمع الأدلة، بالإضافة إلى تبني المزيد من السياسات الفعالة على المستوى القطري.
مشاورة عمان
استجابة من المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمطالب الدول الأعضاء بالمساعدة في تقييم فاعلية التقاضي والتحقيقات العامة كوسائل للحد من تعاطى التبغ، جرى تنظيم مشاورة عالمية حول التقاضي والتحقيقات العامة كأدوات توظفها الصحة العامة لمكافحة التبغ عقدت في عمان بالأردن في فبرايرعام2001. وبفضل مساندة كريمة من جلالة الملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن، بالإضافة إلى تأييد وتشريف جلالة الملكة رانيا بالحضور، شارك في المؤِتمر خمسون ممثلا من ما يقرب من عشرين دولة من الدول الأعضاء، بما في ذلك كبار المسؤولين، والقضاة، والممارسين القانونيين، والأكاديميين، والمحامين، وغيرهم من صفوة الخبراء وذلك لبدء عمل مشترك من أجل زيادة قدرة العالم على تحقيق النجاح فيما يتعلق بالتقاضي والتحقيقات العامة.
خلال هذه المشاورة التي امتدت ثلاثة أيام، قدمت الأوراق الخاصة بالنماذج البارزة لاستخدام التقاضي والتحقيقات العامة من أجل تطوير أسلوب مكافحة تعاطي التبغ. وقد قام المشاركون في المشاورة باستعراض كل الجوانب الإيجابية والسلبية للأساليب البديلة، واستنباط الدروس المستفادة، بالإضافة إلى التشاور حول مدى نتائج تطبيق هده الدروس على مختلف النظم القانونية والثقافات المختلفة. ومن خلال المناقشة المكثفة والتحاور، وضعت جماعات العمل من المشاركين يدها على المعوقات الأساسية التي تحول دون التقدم، وتم التوصل إلى اتفاق جماعي بخصوص الخطوات الهامة المتعين اتخاذها.
ولقد ركزت المناقشات، على وجه الخصوص، على أنماط المساعدة الضرورية لتمكين الدول الأعضاء من التقدير المناسب لفرص التقاضي أو التحقيقات، بالإضافة إلى المعونة المطلوبة من أجل نجاح تكييف هذه الوسائل الحديثة وفقا للظروف الخاصة بكل دولة من الدول الأعضاء. وقد لاقت تلك المشاورات رغبة قوية لتسخير هذه الوسائل الجديدة الفعالة، كما لاقت موافقة جماعية قوية على ضرورة بناء قدرة عالمية واسعة لتنفيذها.  وقد اتفق المشاركون في المشاورة على أن مفتاح خلق مثل هذه القدرة العالمية هو تنمية الموارد المادية والتكنولوجية من أجل مساندة مختلف الدول، لا سيما المساعدة في تحليل المستندات الخاصة بالصناعة، وتنمية الأساليب والبدائل القانونية، وتجميع البراهين، وتنظيم وتحليل الأدلة، وتكييف النظريات القانونية، والمجادلات والإجراءات لتتماشى مع متطلبات أنظمة قانونية بعينها.
وعقب انتهاء المشاورة, اتخذت منظمة الصحة العالمية خطوات إضافية لتستكمل ما بدأته في عمان،  فكان إصدار النشرات وتحديد الملاحظات الرئيسية المنبثقة عن المشاورة إحدى هذه الخطوات. وحيث إن الدول الأعضاء تبحث قضايا المسؤولية القانونية والتعويضات من خلال الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ، نجد أن تلك الاتفاقية بما أثارته من مفاوضات عالمية قد فتحت آفاقا جديدة لاستمرار البحث في دور التقاضي. كما كشفت الوثائق الخاصة بصناعة التبغ أن منظمة الصحة العالمية تساند عمليات البحث والتقارير الجارية حول نشاطات صناعة التبغ في بلدان وأقاليم بعينها.  والأهم من ذلك هو أن الجهود ما زالت مستمرة للوصول إلى الموارد اللازمة للشروع في حشد التأييد والخبرة الفنية التي تمثل عاملا حيويا لنجاح التعاون الدولي.
2.    خمسون عاما في ساحة القضاء: تاريخ موجز لقضايا التبغ بالولايات المتحدة
على الرغم من نجاح التقاضي في عدد متزايد من الدول، وخاصة في السنوات الأخيرة، تبقى حقيقة واحدة جلية وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية تتميز بالخبرة في مجال قضايا التبغ، حيث حظيت قضايا التبغ بتاريخ طويل يقرب من خمسين عاما. وغالبا ما يصنف هذا التاريخ إلى ثلاث موجات.
الموجة الأولى
يرجع تاريخ الموجة الأولى إلى عام 1954. فمع بدايات عام 1950 ظهرت دراسات وبائية مثلت نقطة تحول حيث كشفت عن علاقة واضحة بين التدخين وسرطان الرئة. وتم نشر هذه الاكتشافات المثيرة في عديد من الإصدارات مما ولد إنكارا مستميتا من جانب صناع السجائر – إلى جانب تيار من التشكيك في صحة ودقة تلك الاكتشافات من قبل صفوة الخبراء في مجال الطب وذلك ما لم يكن متوقعاً. وعلى أية حال فقد قادت تلك الاكتشافات مباشرة إلى رفع أول دعوى تقام ضد شركات التبغ عام 1954، وهي قضية إلحاق ضرر شخصي مرفوعة من جانب مدخن من ميسوري - فكانت بذلك أول قضية في سلسلة ضمت 150 قضية على مدى حوالي ثلاثة عقود(7).
وعلى الرغم من تلك الدراسات الطبية الجديدة التي تثير القلق، إلا أن التدخين استمر جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العامة في الولايات المتحدة، حيث بلغ عدد مدخني السجائر نصف عدد البالغين في المجتمع الأمريكي. فالتدخين لم يكن سلوكا مقبولا فحسب، بل أيضا بات متوقعا سواء بين الأطباء، أو القضاة، أو القادة السياسيين، أو مديري الأعمال، أو الممثلين، أو حتى الرياضيين. كما انتشرت الدعاية لترويج التبغ. لقد كان التدخين متاحا في كل مكان تقريبا، بدءاً من ساحة القضاء ومرورا بالكونجرس وانتهاءاً بالمراكز الطبية.
لقد كان الطريق غير ممهد لرفع دعاوى التبغ، إلا أن الموجة الأولى من القضايا التي رفعها بعض المدخنين وذويهم (ضمت غالبيتها سرطان الرئة)، ادعوا فيها مسئولية شركات التبغ عن تعويضهم مادياً بسبب ما أنفقوه من تكاليف على العلاج، وضياع مكاسب أجر العمل، والألم والمعاناه التي تسببت فيها منتجات تلك الشركات. وقد وجدت تلك الدعاوى أساسها القانوني في مختلف نظريات الإهمال، والتحايل، وخيانة الثقة والأمانة.
ولقد رفضت كل تلك القضايا تقريباً أو سحبت قبل الفصل فيها، وكل القضايا القليلة التي وصلت إلى مرحلة النظر للفصل فيها كان مصيرها الفشل.
لقد كانت تلك النتيجة المحبطة وليدة خطة مدروسة وناجحة على نحو مثير، وهي عبارة عن أسلوب داوم على استخدامه منتجو التبغ بلا استثناء على مدى عدة عقود. إن المحور الذي ترتكز عليه هذه الخطة هو إنكار وجود أية صلة افتراضية بين التدخين وسرطان الرئة (أو غيره من الأمراض) - وهو إنكار عنيف دعمه جدل مزعوم حول توافر الدليل الطبي عليه. وفي الوقت ذاته تذرع منتجو التبغ بعدم توافر المعرفة الكافية أو التحذير المناسب بوجود أية مخاطر تهدد الصحة مما يفرض عليهم تحذير المستهلكين. و لهذا باتت تلك الذرائع على مدى ثلاثين عاما عائقا يقف في مسار أية قضية لتصل إلى أيدي المحلفين.
الموجة الثانية
شهدت الموجة الثانية من قضايا التبغ - في الثمانينيات وبداية التسعينيات - استمرار نجاح منتجي التبغ في الدفاع عن أنفسهم ضد مائتي قضية جديدة من قضايا الضرر الشخصي المدعمة بالنظريات القانونية الجديدة، والتي تشمل القوانين الصارمة الخاصة بالمسئولية عن المنتجات وعدم التحذير من أضرارها. وفي تلك الآونة اتسعت المعرفة بأضرار السجائر على الصحة، بالرغم من أن طبيعة وحجم هذا الضرر لم يكن معروفا بالقدر الكافي. وفي عام1964 كشف تقرير هام رفع إلى رئيس جراحي الولايات المتحدة أن السجائر سبب في سرطان الرئة عند الرجال، بالرغم من وجود آثار أخرى كان يصعب فهمها آنذاك(8). وفي عام1965 أذعن صانعو السجائر للتشريعات فأرفقوا تحذيراً صغيراً فاتر اللهجة بعلب السجائر.
ولكن شركات التبغ تراجعت مؤخرا بلطف عن ما أرسته من أساليب الجدل التي تمسكت بها على مدى عقود منقضية. فلقد دأبت تلك الشركات لسنوات وسنوات على إنكار أن تكون منتجاتها غير آمنة.  أما الآن فهي تصر على أن المخاطر، التي أنكرتها من قبل لم تعد أمراً منافياً للعقل، بل انقلبت فجأة لتصبح في الواقع ضرب من "المعرفة العامة"، لدرجة أن المدخنين كانوا على علم ودراية بتلك المخاطر وقد اضطلعوا عن رضا بالمجازفة بحياتهم أو صحتهم. بل إن منتجي التبغ يجادلون بأن تلك المخاطر كانت معروفة للجميع لدرجة أن المدخنين لم يستمعوا إلى ما أنكرته شركات التبغ ذاتها. ومما يزيد من وقاحة هذه الذرائع، أن منتجي التبغ تمكنوا من التمسك بتلك الدفوع دون الإقرار بما في مواقفهم من تضارب، بل ورفضوا أبدا الإذعان والتسليم بأن التدخين يسبب المرض.
الأرض المحرقة
إن مفتاح انتصار صناعة التبغ في الموجتين الأولى والثانية من القضايا المبنية على الضرر الشخصي هو التزام تلك الصناعة الصارم بما يسمى باستراتيجية "الأرض المحرقة" (أي تدمير كل ما ينفع الخصم) في التعامل مع قضايا التبغ، وهو مازال مستمراً حتى الآن. فهذه الاستراتيجية قد ضمنت فيما سبق، كما تضمن اليوم، أن تكون أوضح القضايا أدلة وأصحها، حتى مع تلقيها أكبر دعم، محفوفة بالصعاب.
ولتحقيق ذلك يسخر منتجو التبغ أكبر عدد ممكن من الموارد لجعل أية قضية – أيا ما كان المبلغ المطالب به - ورطة أبدية تستنزف أموال المدعين ومحامييهم. وبهذا الأسلوب الملتوي، تسخر كل وسيلة مهما صغر شأنها لكي تصبح مبرراً لخلافات مفتعلة، ومطالبة لا مبرر لها بإبراز مستندات، واستئنافات لا نهاية لها، واعتراضات وخلافات، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تأجيل عام وتعتيم للحقائق،  فالهدف هو تحويل أكثر القضايا سهولة إلى محنة طاحنة لا سبيل إلى مواجهتها.
لقد قدم محامي إحدى شركات التبغ - قرب نهاية الموجة الثانية من مراحل قضايا التبغ - نبذة موجزة عن فلسفة تلك الشركات مشيراً إلى مقولة وردت على لسان الجنرال الأمريكي جورج باتون أثناء الحرب العالمية الثانية بأن الانتصار في الحرب ليس بأن يستشهد المحارب فداء للوطن، بل بجعل محارب الدولة المعادية شهيداً في المعركة. وقد أوضح المحامي المقولة على النحو التالي:
"إن موقفنا العدواني المتشدد فيما يتعلق بأداء الشهادة والانصياع للأمر القضائي بتقديم المستندات بصفة عامة يجعل من تلك القضايا حملاً مادياً يثقل كاهل المحامين الدين يوكلهم المدعون، ولا سيما الممارسين القانونيين المنفردين." وعملا بمغزى مقولة الجنرال باتون، فإن الطريق لكسب هذه القضايا ليس بإهدار أموال [ر.ج.رينولد]، بل بجعل المدعي يهدر أمواله هو"(9).
ولما كان من غير المألوف ألا يعمل المدعى عليه على عرقلة مسار القضاء، أو تضخيم حجم نفقات المدعي، فإن عبقرية شركات التبغ في استخدام هذا الأسلوب يعتبر - كما جاء على لسان أحد الملاحظين - "متفردا في سجلات التقاضي بشأن الفعل الضار"(10). لقد كان ذلك الأسلوب نعم النصير لصناعة التبغ، فمن بين مئات القضايا المرفوعة في الخمسينيات، والستينيات، والسبعينيات نجحت شركات التبغ في أن تكشف فقط بضع آلاف من مستنداتها الداخلية، بينما قامت ببناء جدار منيع من الصمت(11) حول الكثرة الباقية منها، إلا أن هذا الحاجز بدأ يتصدع في قضية سيبولون المشهورة(12)، حتى انهار تماما قرب نهاية التسعينيات. 
صدع في الجدار
على غرار قضايا الموجة الأولى من التقاضي، باءت المئات من قضايا الموجة الثانية - دون استثناء - بالفشل. إلا أن إحدى هذه القضايا كانت لها أهمية قصوى. فقضية مجموعة شركات سيبولين ضد ليجيت(13) - وهي قضية ضرر شخصي رفعتها مدخنة تدعى روز سيبولين وزوجها توني من ولاية نيوجيرسي عام1983 كضحية لسرطان الرئة، كانت بداية لمرحلة من النجاح لاحقا.
ولما كانت تلك القضية قد رفعها محام بارع لا تفتر همته وذو باع طويل في القضاء، وممولة على نحو لم يسبق له مثيل في القضايا السابقة، فقد بدت قضية سيبولين مشرقة ومبشرة بالخير. وارتكزت القضية على ضرورة السماح بالاطلاع على مستندات صناعة التبغ مستخدمة أسلوباً جديداً مفعماً بالحماس والحنكة. وفي الوقت ذاته, درست القضية حدود الأسباب المتاحة للدعوى في ضوء حجج منتجي التبغ التي تذهب إلى أن ادعاءات المدخنين تجد ما يدعمها في قانون الولاية، ومن ثم حال دون قبولها القانون الوطني الذي فرض وضع الملصقات التحذيرية المطبوعة على علب السجائر في عام 1965.
لم تحظ محاولات المدعى للكشف عن مستندات صناعة التبغ إلا بنجاح محدود. إلا أن القدر اليسير من المستندات التي أبرزت قد تضمنت مؤشرات مفزعة لتعمد الإضرار، وما خفي كان أعظم. وعندما اطلع القاضي المسئول في قضية مماثلة على تلك الأوراق في غرفة المشورة (أي دون إعلانها للمدعى أو العامة)  اعتراه غضب عارم لأنه قد ينحى من نظر هذه القضية بأمر محكمة أعلى بعد أن نعت صناعة التبغ بأنها "الملكة المتوجة على عرش إخفاء المعلومات وتعتيمها"، وتساءل:
"ترى من يكون من هؤلاء الأشخاص الذين عقدوا العزم على علم وفي الخفاء على المخاطرة بحياة عامة المشترين من أجل تحقيق المكاسب المادية فقط  إيمانا منهم بأن المرض والموت الذي يتعرض له المستهلك هو الضريبة المناسبة لتحقيق الرخاء لهم وحدهم؟"(14).
لقد ساهمت تلك المستندات التي جرى الكشف عنها في قضية سيبولين في الوصول لنتيجة تاريخية: فبينما وصلت القضية إلى النطق بالحكم عام1985 كانت روز سيبولين قد توفيت متأثرة بالسرطان. إلا أن المحلفين قد حكموا لزوجها تعويضا قدره 400.000 دولار، وهو أول حكم قضائي لصالح المدعى على مدى ثلاثين عاما من المعارك القضائية. وبهذا تحطم تاريخ النجاح الطويل الذي حظيت به صناعة التبغ.
إلا أن هدا الانتصار الباهر لم يدم طويلا. فقد وجدت هيئة المحلفين - مقتنعة على ما يبدو بالمقولة المعتادة لمنتجي التبغ بأن المدخنين يتمتعون بالحرية المطلقة في المجازفة بالتدخين - أن روز سيبولين مخطئة، على الرغم من التعويض الممنوح لزوجها، وهو التناقض الذي كان من شأنه تهديد هذا الحكم بالتعويض. وعلاوة على ذلك، فإن الاستئناف بشأن مسألة سحب ولاية محكمة الولاية وإثباتها للمحكمة العليا التي كانت ستحكم عند عرض المسألة على كل من أعضائها على حده بأن المدعين لا يمكنهم إثبات دعواهم على أساس نظرية الإهمال أو عدم التحذير. وبهذا فإن قرار المحكمة العليا في عام1992 قد نحى جانبا حكم هيئة المحلفين، تاركا القضية مفتوحة لإعادة النظر فيها على أسباب الدعوى.
وفي أعقاب تلك النتيجة المزدوجة، سرعان ما وصلت قضية سيبولين إلى نهاية مزرية فأصبحت رمزا لمصير معظم قضايا التبغ السابقة واللاحقة. وبعد تسع سنوات من إقامة الدعوى، اضطر محامي المدعي بعد لأي إلى التخلي عن القضية، خاصة أن شركاءه رفضوا تمويل القضية بسبب التكاليف الفادحة. فقد أنفقوا بالفعل نحو ثلاثة ملايين دولار دون أن تلوح في الأفق أي بارقة أمل في استرداد هذه المبالغ. أما شركات التبغ فقد ضخت ما يتراوح بين خمسين وخمسة وسبعين مليون دولار في عملية الدفاع، وبدت على استعداد للإنفاق على هذا النحو إلى ما شاء الله(15)، فلقد كان حينئذ قد مر سبع سنوات على وفاة روز سيبولين.
وبإسدال الستار في عام 1992 على قضية سيبولين التي وقفت كدليل قوي على الصعوبات غير العادية لقضايا التبغ، دارت رحى العديد من القضايا. وأنفقت ملايين الدولارات. وانقضت السنون. وتوفي معظم المدعين. ولكن لم يتحصل أحد على مليم واحد مما أنفق. فكما كشفت قضية سيبولين، نجد أنه حتى في حال أكثر القضايا وضوحا، فإن الاستماتة في الدفاع والسخاء في التمويل، ينتهي بها المطاف إلى لا شئ.
ومع ذلك، وعلى النقيض، فقد أصابت تلك القضية في الإشارة ضمنياً إلى إمكانية تحقيق نصر ساحق. حيث إن حكم هيئة المحلفين، على الرغم مما تعرض له من تشويش، قد كشف عن مدى قدرة المستندات الخاصة بصناعة التبغ في السيطرة على النتائج. وبينما أوصد قرار المحكمة العليا الباب في وجه الدعاوى التقليدية المقامة بتهمة الإهمال، إلا أنه حكماً قد دعا إلى إقامة الدعوى على أساس التحايل والضرر المتعمد إذا ما استندت إلى دليل يثبتها. وعلاوة على ذلك فقد أوضحت القضية أن الأسلوب المنظم والمدروس والممول جيداً، مع التركيز على تعمد الإضرار من جانب منتجي التبغ، ربما يأت بنتائج تخالف أي شئ يكون قد تحقق من قبل. كما أشارت القضية إلى أن مفتاح تحقيق النجاح ربما يكمن في المستندات التي لم يتم الإطلاع عليها بعد. ويجب على محامي المدعين ألا تفوتهم مثل هذه الدروس.
موجة جديدة
وكأثر من آثار كارثة قضية سيبولين، تجمعت ثلاثة عوامل لتعطي شرارة الانطلاق نحو "موجة ثالثة" جديدة من القضايا التي من شأنها تغيير مسار قضايا التبغ إلى الأبد.
وبينما انتهي كثير من قضايا "الموجة الثالثة" بالفشل، نجح البعض الآخر، وبمرور الوقت غيرت تلك  القضايا المفاهيم العامة وأظهرت القوة الكامنة في التقاضي كوسيلة من وسائل الدفاع عن الصحة العامة. جاء هذا التطور نتيجة عوامل ثلاثة: (1) سيل الاكتشافات بشأن تعمد إساءة شركات التبغ، (2) ظهور أشكال جديدة من أنماط التقاضي مكنت المدعين من حشد الموارد والخبرة الكافية لتحدي القوة الهائلة لقضايا صناعة التبغ، (3) ظهور نظريات قانونية جديدة تتجنب العديد من أساليب الدفاع التقليدية لصناعة التبغ والتي تقوم على سياسة إلقاء اللوم على الضحية.
إن المقدار الضئيل نسبيا من المستندات الخاصة بصناعة التبغ التي كشف عنها في قضية سيبولين، قد أشار ضمنا إلى ما يمكن أن تحتويه الملفات المحفوظة لتلك الصناعة. وهو ما تأكد عام1994 عندما انفجر سيل من المفاجآت باح بها اثنان من "وشاة" صناعة التبغ، أحدهما مؤسسة قانونية، وهي مساعد قانوني لمكتب محاماة يمثل فرع شركة التبغ الأمريكية البريطانية يطلق عليه براون وويليامسون، حيث قام بتصوير وتسريب وثائق خطرة سرعان ما حللت ونشرت في العديد من الصحف بدءاً من جريدة وول ستريت إلى إصدار خاص لجريدة أمريكان ميديكال أسوسييشن(16). والآخر هو مدير أبحاث سابق لشركة براون وويليامسون كان قد قام في ذلك الوقت بالتعاون مع السلطات الفيدرالية. وسرعان ما حولت التحقيقات الصحفية والعامة سيل المفاجآت هذه إلى فيضان منهمر.
بدأت إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية وعلى وجه الخصوص تحت قيادة د.ديفيد كيسلر المدير المسؤول آنذاك، تحقيقا لإثبات أن منتجي التبغ قاموا بالتحكم و التلاعب في نسبة النيكوتين بالسجائر، وهو الأمر الذي لم يعمل فحسب على زيادة درجة إدمان تعاطى هذا المنتج، بل أيضا عمل على وقوع صناع السجائر تحت طائلة السلطة التنظيمية للحكومة الفيدرالية لأول مرة. ولكن إثبات الاختصاص لهذه الإدارة لم ينجح فيما بعد(17). إلا أنه عمل - جنبا إلى جنب مع الاكتشافات التي نشرت للجمهور - على توعية الرأي العام، مما أدى مباشرة إلى حدوث تحقيق عام تاريخي في مجلس النواب الأمريكي كان من شأنه ذلك التغيير الأبدي للمفاهيم العامة، مستعرضة ذلك المشهد الذي لا يمحى من الذهن لسبعة من كبار المسؤولين التنفيذيين بشركات التبغ رافعي أيديهم اليمنى للقسم على قول الحقيقة ثم إنكارهم بعد ذلك أن تكون السجائر عاملا من عوامل الإدمان أو مسببة للأمراض.
ولقد تضافر هذا الكم الهائل من الدلائل التي توصل إليها التحقيق من جانب الكونجرس جنبا إلى جنب مع تحقيقات إدارة الأغذية والأدوية، وتقارير التحريات والاكتشافات المثيرة المعلن عنها، تضافرت جميعا لتبصير الرأي العام بما تبين أنه ضرب من المؤامرات التي تتجاوز كثيراً مستوى الإنكار التقليدي لمنتجي التبغ بأن تكون السجائر سبباً في الإصابة بالأمراض، والتي شملت محاولات بعيدة المدى لاستغلال إدمان السجائر، وتشويش الفهم العلمي، واستهداف المراهقين، والتلاعب بالسياسة العامة. وكما حثت جريدة أميريكان ميديكال أسوسييشن جمهورها من القراء حيث قالت(18):
"تلك المستندات وعملية التحليل تستحق..... اهتماما متأنيا.....لأنها توفر الدليل الشامل المفصل  لإدانة الأساليب التكتيكية التي تتبناها صناعة التبغ. كما توضح لنا كيف نجحت تلك الصناعة في نشر البلبلة عن طريق وأد النتائج العلمية والتلاعب بها والعمل على تقويضها. علاوة على أن تلك المستندات توضح كيف تمكن صناع التبغ من تلافي أية غرامات مادية كتعويضات للضرر، وكيف نجحوا في الحفاظ على الأرباح الطائلة التي جنوها من بيع مادة طالما عرفت لدى العلماء والأطباء بأنها مادة فتاكة".
إن تلك الاكتشافات المثيرة كانت بمثابة نقطة تحول. فمهما تعددت نظريات محاميي المدعين غير المدعمة بالدليل المادي حول سلوك منتجي التبغ، وأيا كانت الدلائل المادية التي قدمتها قضية سيبولين، فإن تلك الاكتشافات الجديدة قد قدمت الدليل المادي الحقيقي الذي يمكن أن تبنى عليه القضايا.
ويأتي على نفس القدر من الأهمية ظهور أشكال جديدة من أساليب التقاضي التي تتضمن مطالبات مالية على نطاق أشمل مما سبق في القضايا الأولى. فمن خلال أسلوب جذب انتباه السلطات وغيرها من المؤسسات المهمة، أو أسلوب تجميع الدعاوى الفردية للضحايا، تمكن المدعون من تنظيم مواردهم التي _ وإن كانت لا تضاهي تلك التي يمتلكها المدعى عليهم _ فاقت بكثير ما تم جمعه من قبل.
فمع بداية التسعينيات، أصبح تجميع العديد من دعاوى إلحاق الضرر الشخصي في شكل قضايا "ضرر جماعي" ساحقة هو سمة من سمات الشكل القضائي الأمريكي، على الأقل في نطاق حدود بعينها كتلك القضايا الناجمة عن حوادث الطيران، أو الحرائق، أو غيرها من الكوارث، وتلك الدعاوى الخاصة بما يسمى "ضرر التسمم" المقامة ضد صانعي المنتجات الخطرة مثل الحرير الصخري، والأدوية، والأدوات الطبية. كما أن قوانين التقاضي بكل من محاكم الولايات والمحاكم الفيدرالية بالولايات المتحدة قد ساعدت على دمج القضايا الفردية في صورة "قضايا جماعية" حيث تدرج قائمة بعدد من المدعين عانوا نفس الأضرار تحت ظروف فعلية متشابهة، وحيث تغلب عليها نفس التحقيقات القانونية المتعارف عليها. بيد أنه بقيت هناك تحديات صعبة حول ما إذا كانت كل قضية قابلة لتطبيق مثل هذا الأسلوب، وكيف يمكن حسم الجزء من هذا الكل، أي القضايا المستقلة الخاصة بالأضرار في ضوء الكل. ولكن إمكانية وجود أسلوب بعينه لمعالجة القضايا كجزء أو ككل قد قلب موازين القوى ونسبة الإمكانات المتاحة أمام المدعين، بل والأهم من ذلك، أمام المحامين.
إن مقاضاة أحد صناع المنتجات بالولايات المتحدة الأمريكية كان من الممكن أن يعد مكلفاً للغاية بالنسبة للضحايا باستثناء الموسرين منهم، لولا وجود نظام "الأتعاب كنسبة من المبلغ المحكوم به"، وفيه يتحمل محامو المدعي النفقات والمجازفة التي ينطوي عليها التقاضي مقابل نسبة متفق عليها من أية تعويضات يتم الحصول عليها؛ وتلك الترتيبات الخاصة بالأتعاب هي ذاتها الأداة المادية التي تضع مثل تلك الدعاوى موضع التنفيذ. وفي قضية ضحايا التبغ، عمل منتجو التبغ على تطبيق أسلوب الدفاع المعروف بسياسة "الأرض المحرقة"، فرفعوا من تكاليف معظم القضايا الفردية على نحو يعجز معه أي محام عن تغطية أتعابه، على الأقل في تلك الفترة. فقد كانت قضية سيبولين درسا لا ينسى في الاقتصاد؛ حيث كشفت أن شركات التبغ على أهبة الاستعداد لتحمل مئات أضعاف المبلغ الذي حكمت به هيئة المحلفين كتعويض.
إلا أن القضايا المجمعة قد أتاحت سياسات مالية تؤخذ بعين الاعتبار. فنفقات إثبات الدعاوى العامة مثل المسؤولية من الممكن أن تقسم على عدة آلاف من الدعاوى، وبهذا تصبح محتملة لأول مرة. وفجأة أصبح التعويض المادي المرتقب_ وكذلك الأتعاب المتوقعة_ كبيرا للغاية لدرجة أنه أصبح مبرراً لاستثمار ثروات لا مثيل لها.
وقد برع العديد من محاميي المدعين المحنكين في هذا المجال أثناء عملية التقاضي التي استمرت خلال فترة الثمانينيات ضد صانعي الحرير الصخري، وخطوط الطيران وغيرها محققين مكاسب خيالية أصبحوا بفضلها من واسعي الثراء. وفي بعض الأحيان استفاد الموكلون، أي الضحايا، أيضا. وفي أحيان أخرى، أغفلت حقوق الموكلين تحت وطأة نظام التقاضي الجماعي؛ حيث إنه يقوم على أساس منح مستشاري المدعى أتعابا باهظة، والسماح للمدعى عليهم بالهروب من تحمل المسؤولية القانونية من خلال شروط ميسرة، تاركاً الضحايا من الأفراد دون منفذ آخر يلجأون إليه طلبا للعون.
وعندما بدأ سيل الاكتشافات المثيرة في أوائل التسعينيات، وجه محامو المدعين اهتمامهم ومصادرهم المهمة نحو التبغ. وإدراكا منهم للمخاطر التي يتوقع أن تجابههم قاموا بصياغة نوع جديد من القضايا على نحو يسمح بجمع المبالغ المالية بالإضافة إلى القوة البشرية على نطاق غير مسبوق يسمح لهم بأن يكونوا على قدم المساواة مع منتجي التبغ. فقد تألف اتحاد قوى يضم محامين متخصصين في الضرر الجماعي موكلين من قبل ستين مليارديرا_ وصفوا أنفسهم بوصف "المغامرين"_ ساهم كل منهم بمبلغ مائة ألف دولار لجمع نحو ستة ملايين دولار من أجل تمويل ما أطلق عليه البعض لقب "أم القضايا"(19). وفي الوقت ذاته بدأ العديد من السلطات الخاصة بالولاية والحكومات في بحث الدعاوى الممكنة، وتشكيل فرق عمل قانونية عامة وخاصة. وفجأة أصبح الطريق ممهدا للبداية.
كان العامل الثالث الذي ساعد على ذلك التحول هو ظهور أساليب قانونية جديدة في الدعوى بشرت بإمكانية تجنب، أو على الأقل الحد من، الحجج التقليدية لمنتجي التبغ التي تذهب إلى أن المدعين كان لهم مطلق الحرية في قبول مخاطر التدخين. فالاحتجاج بقبول المجازفة و"الخطأ النسبي" لم  يعد مقنعا كما كان، حيث تزايد الدليل على أن التبغ مادة قابلة للإدمان، وأن شركات التبغ كانت على علم بذلك، بل لقد عملت على استغلال هذا الإدمان والعمل على زيادة تمكنه من المدخنين. كما تزايد الوعي بأن المدخنين تحت سن البلوغ يصبحون مدمنين، وبأن منتجي التبغ قد استهدفوا صغار السن على وجه الخصوص، مما زاد من إضعاف الزعم بمسؤولية المدخنين عن مرضهم. والأهم من ذلك هو أن المدعين شرعوا في التركيز على تلك الأضرار التي لم يتسبب فيها المدخنون أنفسهم، بل تكبدتها السلطات وغيرها من الأطراف الأخرى التي تعالج أمراض المدخنين. فتلك الأطراف عانت من أضرار مباشرة، بمعزل عما عاناه المدخنون أنفسهم، لدرجة لا يمكن معها القول بأنها قبلت طوعاً مخاطر التدخين والأمراض الناجمة عنها. وقد جاءت دعاواهم على درجة من القوة الكافية لتبرير عملية التقاضي في مجملها.
وبهذا كان لتضافر تلك التطورات الثلاثة - أي ظهور دلائل مادية جديدة، وجمع الموارد الجديدة للتمويل، وتطوير نظريات قانونية جديدة - أثر فعال حيث شكلت مجتمعة بداية "الموجة" الثالثة من مراحل التقاضي التي استمرت إلى الوقت الحاضر. وفي الواقع إن هذه "الموجة" هي مزيج منتقى من عدة أنماط شديدة التباين من التقاضي. وما يربط بينها هو استنادها إلى الدليل المدعم بالمستندات والمتراكم من خلال قضايا سابقة، بالإضافة إلى ميلها إلى الاعتماد على الفهم المتعمق للمدعى عليه، فهي لا تهتم بآثار المنتج، أي السجائر، قدر اهتمامها بسلوك المنتجين.
الدعاوى الحكومية
كانت أكثر قضايا "المرحلة الثالثة" تأثيراً سلسلة من القضايا التي رفعتها الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية، بدءاً من عام1994. فعلى مدى السنوات الأربع اللاحقة، قامت كل ولاية تقريبا برفع دعوى، الأمر الذي نتج عنه، بحلول عام1998، خمس تسويات شاملة على مستوى الخمسين ولاية جميعها(20). وشاركت المدن والمقاطعات في الدعاوى المرفوعة من قبل الولاية، أو رفعت دعاوى خاصة بها. تذرعت تلك القضايا بالمؤامرة الطويلة المدى والمتعددة الأوجه التي قام بها منتجو التبغ لتضليل المدخنين، وعامة الشعب، وكذلك المسؤولين. وقد سعت تلك القضايا إلى تحقيق عدالة القانون التامة، والحصول على تعويضات مالية لم يسبق لها مثيل كنوع من التعويض العقابي بسبب ما تعرض له المدعون من أضرار، بالإضافة إلى تعويض المبالغ التي تكبدتها الولايات لعلاج أمراض المدخنين.
إن تلك القضايا عملت على تأكيد منظومة عريضة من أسباب الدعاوى. وهي في غالبيتها دعاوى خاصة بتطبيق القانون، تسلط الضوء على سلوك منتجى التبغ وتشير إلى انتهاكات مدنية لقوانين الدولة، بما في ذلك حقوق حماية المستهلك، والدعاية، والمنافسة غير المشروعة، واستغلال القوانين، بالإضافة إلى الفعل الضار والنظريات القائمة على مبادئ العدالة والإنصاف. بينما عولت القضايا الأخرى كثيرا على نظريات المسؤولية القانونية عن المنتج وتحقيق العدل، مثل الإثراء بلا سبب مشروع. ومن الواضح أن تلك القضايا ليست قضايا ثانوية أو قائمة على "مبدأ الحلول" بالنيابة عن المدخنين لخدمة مصالحهم الشخصية، بل هي دعاوى مباشرة من أجل تعويض الضرر الذي لحق بالدولة وانتهاك قوانينها. مما يعنى أن سلوك المدخنين، أو علمهم بالمخاطر المهددة للصحة، لم يكن نوعا من الدفاع، وأنه لم يكن من الضروري إثبات اعتماد الأفراد على إقرارات الصناعة(21).
وبحلول أواخر عام 1998، كان قد تم الفصل في تلك القضايا في صورة أكبر خمس تسويات في تاريخ التقاضي - تسويات فردية مع ولايات ميسيسيبى، وفلوريدا، وتكساس، ومينيسوتا، و"اتفاقية تسوية شاملة" مع الولايات الست وأربعين الباقية. إن شروط تلك التسويات الخمس عملت - أكثر من غيرها من شروط مئات القضايا على مدى نصف قرن من قضايا التبغ على مستوى العالم - على إثارة الاهتمام العالمي بإمكانية تطبيق مثل هذا الأسلوب القضائي في مناطق أخرى من العالم.
إن معظم هذا الاهتمام، على الأقل في بدايته، ينبع ببساطة من حجم التعويضات المادية المذهلة. فاتفاقية التسوية الشاملة للولايات الست وأربعين قد منحت تعويضا قدره 206 بليون دولار على مدى ربع قرن. أما الولايات الأربع الباقية والتي تمت التسوية معها كل على حده سوف تحصل على تعويض آخر يبلغ 40 بليون دولار. وقد كان لحجم هده الأرقام أثر السحر في نفوس البعض، حيث انبثقت الفكرة الواعدة بأن قضايا التبغ تقدم طريقا ممهدا لمكاسب مادية غير متوقعة لا حصر لها.

ولكن لسوء الحظ، فإن مثل هذه التعويضات المادية يمكن أن يتعذر نيلها في أغلب النظم القضائية الأخرى. فالتعويضات المادية الضخمة في التسويات الخاصة بالولايات الأمريكية كانت إلى حد كبير نتيجة لحشد من العوامل من الصعب أن يتكرر ظهوره بنفس الشكل في أغلب النظم القضائية الأخرى. وتشمل هذه العوامل: نظام إمكانية دفع الأتعاب كنسبة من المبلغ المحكوم به، وهو نظام معروف في الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم وجود قاعدة "الخاسر يدفع" وتدخل المجموع الذي يقرره خبراء التقاضي والمسؤولين؛ وقبول رجال القانون في الولايات المتحدة الأمريكية للتقاضي باعتباره وسيلة للفصل في القضايا "السياسية" أو "الاجتماعية"؛ بالإضافة إلى التوقيت المناسب حيث إن رغبة منتجي التبغ الملحة في التأثير على المقترحات المطروحة آنذاك أمام الكونجرس خلقت عاملاً من عوامل الضغط عليهم من أجل التسوية وبشروط لا تخلو من البذخ. وعلى الرغم من أن ذلك المجموع من العوامل يصعب أن يتكرر مرة أخرى، إلا أن تلك التسويات تشير إلى حقيقة فعلية واقعة؛ هي أنه في ظل الظروف المواتية يصبح الحكم بمثل هذه التعويضات الضخمة أمراً ممكنا.
وربما تأتى الجوانب غير المالية لتلك التسويات، رغم ما سبق ذكره، على قدر أكبر من الأهمية وذلك بالنسبة للمراقبين من خارج الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى رأسها، اكتشاف ونشر حوالي 35 مليون صفحة من مستندات صناعة التبغ أثناء مسار عملية التقاضي في ولاية مينيسوتا، الأمر الذي كشف عن القوة الفعلية للتقاضي في إعادة تشكيل الرأي العام حول قضايا التبغ والصحة، ودفع مسيرة مكافحة التدخين إلى الأمام. إن المستندات التي كشفتها ولاية مينيسوتا_ ومعظمها متاح الآن على الإنترنت(22) - تمثل جزء فقط من المستندات المطلوب الحصول عليها في القضية، وهذه المستندات مأخوذة من حفنة قليلة فحسب من شركات التبغ. إلا أنها مازالت تمثل اكتشافات مذهلة لنشاطات منتجي التبغ في كل منطقة على وجه الأرض، مشيرة ضمناً إلى ما يمكن أن يكون مخبؤاً في ملفات صناعة التبغ التي لم يكشف عنها بعد. 
وبالإضافة إلى أن تلك التسويات تضمنت أحكاماً زجرية محكمة وأحكاما قوامها مبادئ العدالة والإنصاف، فإنها تشهد بالقوة الممكنة للتقاضي في فرض التغييرات على ممارسات رجال الأعمال الخاصة بالتبغ، بل أيضا في خلق نظم قانونية جديدة. ومن بين تلك الشروط المبتكرة التي طالبت بها التسويات: القضاء على معظم أشكال الإعلانات خارج المباني للسجائر، ومنع الترويج للسجائر بالإعلان عن أسمائها التجارية، والحد من رعاية المناسبات التي تقوم بها شركات التبغ. كما منع منتجو التبغ رسميا من استهداف الشباب من صغار السن في حملاتهم الدعائية ومن الدخول في ممارسات تنافسية غير مشروعة. وأجبرت رابطة التجار على أن تحل نفسها. كما أجبر منتجو التبغ على تقديم تقارير دورية حول نشاطاتهم المختلفة. وبهذا أرسيت دعائم قواعد جديدة متعددة، تم تمويلها من أجل استمرار المزيد من جهود مكافحة التبغ. وفي بعض الولايات، خصص المشرعون نسباً مختلفة من التعويضات المالية لخدمة برامج شاملة لمكافحة التدخين.
وفي أعقاب القضايا المقامة من جانب الولايات، قامت وزارة العدل الأمريكية في عام 1999 برفع قضية مدنية واسعة النطاق تقوم على ادعاءات مشابهة لتلك الادعاءات التي قامت عليها قضايا الولايات، وتهدف إلى الحصول على تعويض نفقات الجهات الفيدرالية للرعاية الصحية(23). وبعد مرور عام، ألغيت(24) التقديرات الموضوعة لتعويض النفقات الخاصة بالدعوى الأصلية، إلا أنه تم السماح للحكومة بمواصلة دعاواها المدنية التي أقيمت في ظل قانون مكافحة الابتزاز والمنافسة غير المشروعة، وهو قانون عظيم الأثر تم وضعه أساسا كأداة لمواجهة ممارسات الجريمة المنظمة. وبعد أن أعربت الإدارة الأمريكية الحالية عن شكوكها المبدئية حول مزايا تلك القضية، قررت اعتزامها السماح بمواصلة سير عملية التقاضي. وبينما كان مصير القضية، ومدى عمق التزام الحكومة بها يشوبهما الغموض، إلا أن الاتهام القانوني عد كافياً- نظرياً - للسماح للحكومة بتقديم كافة الأدلة والسعي للحصول على إجابة كل طلباتها في الدعوى الأصلية.
القضايا الجماعية
شكل آخر مهم من أشكال التقاضي ضمن "الموجة الثالثة" يعرف باسم "القضايا الجماعية"، وفيه تدمج الادعاءات المتشابهة للعديد من الضحايا. إن النتائج التي يمكن ذكرها في هذا السياق مختلطة بلا جدال، إلا أن هناك قضيتين حققتا نتائج مرحلية مثيرة تشير إلى القوة الفجائية الممكنة للدعاوى القائمة على نظرية التقاضي الجماعي.
فقد قامت "جماعة كاستانو" والتي تضم ستين محاميا من الملونين بالمساعدة في إطلاق مدوٍ لشرارة بدء الموجة الثالثة من التقاضي برفع القضية الشاملة المعروفة باسم "أم القضايا القانونية"، والتي سيطرت لفترة على الاهتمام الخاص بقضايا التبغ، وذلك على حد التعبير المذكور في كتاب "شركة كاستانو.ف. الأمريكية للتبغ"(25). فباعتبارها دعوى مرتقبة على مستوى الدولة بالنيابة عن نحو ما يقرب من أربعين مليونا من  المدخنين، وربما "أكبر محاولة للتقاضي الجماعي في تاريخ المحكمة الفيدرالية"(26)، قامت قضية كاستانو على أساس قضايا الإدمان، ولم تسع تلك القضية فحسب لتمثيل ذلك العدد من المدخنين الذين تعرضوا للمرض، بل أيضا كل المدخنين الذين أدمنوا النيكوتين. كما سعت للحصول على تعويضات للرعاية الطبية والإحباط النفسي، جنباً إلى جنب مع ضرورة التخلي - غير المرغوب فيه بالطبع - من جانب منتجي التبغ عن تحقيق الأرباح.
وفي عام 1996، انهارت تلك المحاولة الطموحة عندما رفضت تلك القضية (حيث وجد أنها غير ملائمة لعملية التقاضي الجماعي) على أساس أن التباين في القوانين الخاصة بكل ولاية غير ملائم لرفع قضية على مستوى الدولة. ورد محامو المدعين برفع عدة قضايا جماعية جديدة "وليدة كاستانو" قامت على أساس رفعها في كل ولاية على حده. إلا أن تلك القضايا أيضا، بلا استثناء، ضعفت شيئا فشيئا في محاكم الولايات أو أعلن بطلانها على أساس اشتمالها على العديد من الأمور التي غلبت عليها الأهواء الشخصية من حيث القانون والواقع(27). وبهذا لم يلق أي من النوعين السابقين من القضايا المصنفة كتقاضي جماعي أي نجاح(28).
لذلك كان من السهل أن تصبح قضية كاستانو ومثيلاتها المتولدة عنها مبرراً للاعتقاد بأن التقاضي الجماعي أسلوب لا يمكن تطبيقه في قضايا التبغ، لولا تلك النتائج التي تمخضت عنها قضيتان أخريان من قضايا التقاضي الجماعي رفعهما في محاكم ولاية فلوريدا فريق من محامي زوج عنيد مثابر وزوجته لا تربطهما صلة بجماعة كاستانو. وكانت أولى هاتين القضيتين تعرف باسم شركات بروين ضد فيليب موريس، رفعت عام1991(29)، وهي دعوى جريئة تقوم على ادعاءات جديدة آنذاك بالنيابة عن غير المدخنين من العاملين بشركات خطوط الطيران الذين لحق بهم الضرر نتيجة تعرضهم لدخان السجائر. وعلى النقيض من قضية كاستانو، فإن قضية بروين قد أقرتها رسميا المحكمة الاستئنافية العليا كقضية على مستوى الدولة، متخذة قراراً بتأجيل التعويضات الفردية أو مشكلة التباين في قوانين الولايات إلى صدور حكم قضائي آخر. واستمر سير القضية نحو الفصل فيها مرتكزا على قضايا المسؤولية القانونية، حيث واجهت المدعين صعوبات إثبات الدليل. وقبل نهاية المحاكمة، تم تسوية القضية على أساس شروط لا تمنح تعويضات للأفراد في التقاضي الجماعي، ولكن كانت بداية لرفع قضايا شخصية جديدة بشروط مواتية، وقيام المدعى عليهم بتأجيل قانون الحدود الملتزم بها مع قبولهم تحمل عبء الإثبات بالدليل في القضايا الهامة الخاصة بالتسبب في الضرر. هذا بالإضافة إلى أن المدعى عليهم وافقوا على دفع مبلغ 300 مليون دولار لتمويل مؤسسة للبحث الطبي.
أما القضية الثانية، والتي تعد أعظم أثراً من سابقتها، تعرف باسم شركة ر.ج. رينولدز ضد إنجل(30)، وهي قضية جماعية بولاية فلوريدا بالنيابة عن كل مدمني الولاية من المدخنين الذين تعرضوا للضرر بسبب أمراض لها علاقة بالتبغ. وبعد تعليق المحكمة الاستئنافية العليا الإقرار رسميا بالتقاضي الجماعي، جاءت المحاكمة التي أجرتها محكمة أول درجة واستمرت عاما ويوما فحسمت القضايا العامة المتعلقة بالمسؤولية القانونية، حيث وجدت هيئة المحلفين في عام 1999 أن السجائر يمكن إدمانها وتتسبب في نحو عشرين مرضا مختلفا أو في مشاكل صحية عامة؛ وأن شركات التبغ مسؤولة قانونيا عن الإهمال، والتراخي وخرق القوانين؛ وأنها تحايلت وتآمرت لتضليل العامة؛ وبناء عليه تصرف التعويضات المناسبة. وفي خضم تطورات المرحلة التالية من التقاضي منح ثلاثة من ممثلي أعضاء مجموعة التقاضي الجماعي تعويضات فردية بلغت في مجملها نحو 12,7 مليون دولار. وفي عام 2000، وقبل البدء في تقرير نسبة التعويضات المنتظر منحها لمئات الألوف من أعضاء المجموعة، قررت هيئة المحلفين الحكم بتعويض عقابي لصالح المجموعة كلها مانحة إياها مبلغا هائلا يقدر بنحو 145 بليون دولار.
إن الحكم الصادر في قضية إنجل، إذا ما تأيد، لن يكون تعويضا للضحايا فحسب، بل سيعمل أيضا على تغيير سلوك منتجي التبغ، ورفع أسعار السجائر وتغيير البيئة الكلية للتقاضي إلى الأبد. إلا أنه لم يثبت بعد إذا ما كان ذلك التعويض سيصمد في الاستئناف أم لا. فالتعويضات العقابية الباهظة عادة ما تنخفض قيمتها في المحاكمة على الدرجة الأعلى وفي هذا الصدد، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عددا من الإجراءات والمسائل الجوهرية، نجد أنه من الممكن أن تنحى التعويضات كلها جانبا، أو حتى ترفض قضية إنجل كلية.
ولكن أيا ما كانت النتيجة النهائية، فإن قضية إنجل، مثلها في ذلك مثل قضية بروين، قد أظهرت القوة الفعلية الممكنة للدعاوى الجماعية(31)، وعملت بالرغم من كل شىء على بث الروح في المزيد من عمليات التقاضي الجماعي. وفي أواخر عام 2001، كان هناك ما يقرب من ثمان وعشرين قضية مطروحة من القضايا الجماعية(32) تنتظر الحكم. وبحلول نهاية عام 2001، كانت المحاكم قد أقرت رسميا أربع قضايا جماعية جديدة تضمنت قوانين حماية المستهلك الخاصة بولايات كاليفورنيا، وإلينوى، وماساشوستس(33).
قضايا فردية في الموجة الثالثة
إلى جانب الدعاوى الجماعية الواسعة النطاق، فإن الموجة الثالثة قد أنتجت قضايا فردية أيضاً، وهذا ما استمر في كامل عنفوانه إلى الآن. فبينما ظلت التعويضات التي نحن بصددها صغيرة مقارنة بتلك التعويضات في قضايا الحكومة والقضايا الجماعية، كان توفر المستندات الخاصة بصناعة التبغ، والاستفادة مما يتاح من المعلومات والبيانات بين الممارسين، بالإضافة إلى تغير المناخ المحيط بالرأي العام، كانت جميعها عوامل غيرت من حسابات التفاضل بين المجازفة القضائية والتعويضات مؤدية بذلك إلى النجاحات الأولى في مجال التقاضي الفردي ضد التبغ(34). وعلاوة على ذلك، فإن هيئة المحلفين، من خلال سلسلة من القرارات بدأت منذ عام1999، قد أظهرت بصورة تدعو للذهول عزمها الثابت على منح مبالغ مالية ضخمة كتعويضات عقابية من شأنها، إذا ما قوبلت بالاستحسان من جانب المحاكم الاستئنافية، أن تزيد من فاعلية التقاضي الفردي.
إن هذه القضايا الفردية تشترك في عدة خصائص. أهمها، هو أنها ترتكز بصورة كبيرة على مستندات صناعة التبغ لإعطاء بيانات تفصيلية إجبارية عن سلوك تلك الصناعة. وحيث إن هذه الحقيقة ثابتة إلى حد كبير في مختلف القضايا، فإنها تساعد المحامين على اتخاذ تدابير واسعة النطاق للإعداد للقضية. ومع كل انتصار جديد في ساحات القضاء، يصبحون أكثر قدرة على التعديل من شكل الأدلة والحجج القانونية بصورة تزيد من فرص النجاحات المستقبلية.

ولكن هذا لا يعنى أن شركات التبغ قد تهاونت في استخدام أساليبها التكتيكية المعروفة بسياسة "الأرض المحرقة"، أو أن هيئة المحلفين قد عدلت عن قبولها لذرائع منتجي التبغ القائمة على مبدأ إلقاء اللوم على الضحايا. بل على العكس، فمن بين نحو خمس وعشرين قضية فردية وصلت إلى هيئة المحلفين منذ عام1996، جاءت الغالبية العظمى منها بنتائج في صالح المدعى عليهم. إلا أنه في ثمان من تلك القضايا، جعلت هيئة المحلفين الحكم لصالح المدعين _ وهي النتيجة التي حطمت ذلك السجل الطويل من مئات الانتصارات المؤزرة التي حظيت بها صناعة التبغ من قبل. والأهم من ذلك هو أن هيئة المحلفين قد منحت، في خمس من القضايا الثماني السابقة، المدعين مبالغ ضخمة للغاية من قبيل التعويضات العقابية التي حكمت بها على المدعى عليهم(35).
إلا أن تلك النجاحات إلى الآن هي نجاحات مؤقتة: فقد تأجل الحكم للمدعين في كل القضايا، باستثناء واحدة فقط، إلى مرحلة الاستئناف. فمن الواضح أن التقاضي الفردي سيظل مغامرة مكلفة محفوفة بالمخاطر ولا يمكن التنبؤ بنتائجها. بيد أن وجود فرص ملموسة لنجاح تلك القضايا، وأيضا من الأهمية بمكان، ظهور استعداد هيئة المحلفين للحكم بتعويضات عقابية، هو في الحقيقة دليل على قدرة المستندات الخاصة بصناعة التبغ، بالإضافة إلى قدرة المناخ المتغير الناجم عن نمو الرأي العام على إقناع هيئة المحلفين.
إن القضايا الفردية الخاصة بالتبغ تمر بمرحلة انتقالية وذلك بسبب التغير المستمر لاتجاهات وقرارات المحلفين، وتولى المحاكم الاستئنافية دور الحكم بالتعويضات العقابية. وفي الوقت الراهن ليس من الواضح ما إذا كانت النتائج المختلفة في السنوات الأخيرة تمثل مرحلة انتقالية نحو تحقيق المزيد من الدعم المقدم من جانب هيئة المحلفين للمدخنين المتضررين، إلا أن قدرة تلك القضايا على توفير فرص حقيقية للنجاح، بل والحكم بتعويضات عقابية ضخمة لصالح المدعين، قد قلب موازيين المجازفة والربح، وزاد من الإمكانات المادية لتطبيق تلك القضايا عن ذي قبل. وربما بات متوقعا وجود نحو 250 قضية فردية في ساحات القضاء الأمريكي في الوقت الحاضر(36).
أنواع أخرى من التقاضي ضمن الموجة الثالثة
تشمل الموجة الثالثة - وهي المؤلفة من عدة عناصر مختلفة - تشكيلا من مجموعة قضايا أخرى، أبرزها تلك القضايا التي تتضمن الدافعين من طرفٍ ثالث من القائمين بالنفقات الطبية، ويشمل ذلك أيضا شركات التأمين الخاصة وصناديق الاتحادات التجارية للرعاية الصحية. وعلى الرغم من أن تلك القضايا تتضمن دعاوى ضخمة، إلا أنها حظيت بنجاحات محدودة للغاية(37). فقد رفض العديد منها بسبب عدم قدرتها على الصمود لأنه لا يمكن عزو الضرر إلى الفعل الذي يدعى عزوه إليه(38). كما أن المحاكم التي ساندت موقف الحكومة في تأكيد حقها في الدعاوى المرفوعة لتعويض ما تكبدته من نفقات علاج المدخنين، قد أظهرت رفضها لتعميم تلك الحجة في القضايا المشابهة بالنسبة للغير. ولهذا، فإن حوالي خمسين دعوى(39) خاصة بتعويض النفقات مازالت معلقة تنتظر الحكم فيها، بل إن القضية الوحيدة التي وصلت إلى الحكم النهائي قد حققت نجاحا واهيا. ونتج عن تلك القضية حكم قضائي في شهر يونيو لعام 2001 في صالح المدعى، وهو أكبر شركات التأمين على الصحة الشخصية بولاية نيويورك، بيد أن حجم التعويض -17,8 مليون دولار - كان ضئيلا للغاية مقارنة بنفقات التقاضي والأضرار المدعى حدوثها التي تقدر بنحو ثلاثة بلايين دولار. ومن ثم يصعب معرفة ما إذا كانت تلك النتيجة سوف تعمل على تشجيع أو إحباط القضايا الأخرى المشابهة لها(40).
علاوة على أن منتجي الحرير الصخري قد رفعوا بدورهم قضايا ساعين إلى الحصول على مساهمة من شركات التبغ بسبب دور السجائر في زيادة فرص الإصابة بمرض السرطان أو التسبب في حدوثه لدى ضحايا الحرير الصخري. كما أقام ضحايا الحرائق قضاياهم على أساس فشل منتجي السجائر في صنع سجائر تنطفئ ذاتيا.
وأخيرا، قامت حكومات بعض الدول الأخرى برفع قضايا في الولايات المتحدة الأمريكية، إما للحصول على تعويضات لنفقات الرعاية الصحية، أو على المعونة المستحقة بسبب الدور المفترض لمنتجي السجائر في التورط في مخططات لتهريب التبغ على مستوى العالم. وقد تم رفض عدد من تلك القضايا(41).
الخاتمة
إن الموجة الثالثة من مراحل التقاضي في الولايات المتحدة الأمريكية قد حققت نجاحا ملموسا عمل على حث مجتمع الصحة العامة لبحث سبل توظيف تلك الأداة على مستوى العالم. إلا أنه من الأهمية بمكان فهم أن تلك النجاحات المتباعدة نسبيا ليست هي العرف السائد. بل في الواقع تقف في مقابلة مع النتائج الخاصة بمعظم قضايا الموجة الثالثة، حتى في الوقت الراهن. فمن بين مئات القضايا التي تضمنتها الموجة الثالثة، نجد أن القليل فقط من تلك القضايا هو الذي لاقى نجاحا: مثل التسويات الخاصة بالولايات الأمريكية الخمس، وقضية بروين، وأقل من عشرة أحكام قضائية فردية (والتي مازالت جميعها باستثناء حكم واحد فقط في مرحلة الاستئناف)؛ والتعويض الهائل في قضية إنجل (الذي قد يصمد أو لا يصمد في مرحلة الاستئناف).
لماذا نجحت تلك القضايا - إذا ما صح أن نطلق عليها في الواقع أنها ناجحة - بينما لاقت غيرها من القضايا فشلا ذريعا؟ إن هذا التساؤل يظل هو محور الجدل، حتى بين المشاركين فيه. وفي ظل هذا المناخ تصبح الدروس المستفادة معقدة وغير واضحة أمام الدول الأخرى. الأمر الذي يجعل الحرص في دراسة أساليب التقاضي، وجمع البراهين الكافية حيويا للغاية من أجل مساعدة الدول الأخرى على استيعاب الدروس المستفادة من خبرة الولايات المتحدة الأمريكية على ضوء مجال التراث القضائي الخاص بها.

3.    التقاضي: التجربة العالمية
إن التقاضي بشأن التبغ خارج الولايات المتحدة الأمريكية أضعف وأقل كثيرا منه داخلها، ولم تتحدد حتى الآن على أرض الواقع أي أنماط يقاس إليها. ولقد أقيمت معظم الدعاوى بشأن التبغ خارج الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقد الأخير فقط، ومعظمها لا يزال منظورا أمام القضاء. وليس من بين تلك الدعاوى ما تمخض عن استرداد المدعى لمبلغ كبير من المال، وحتى وقت قريب مضى لم يحقق أي من تلك الدعاوى تأثيرا اجتماعيا جارفا، وفي واقع الأمر لم يكن هناك سوى القليل من النجاح على اختلاف أنواعه.
إلا أن الموقف الآن يشهد تغيرا مذهلا وبخطوات متسارعة بشكل يدعو إلى الدهشة. فلقد أظهرت القرارات الأخيرة أن التقاضي، إن اجتمعت له الظروف الصحيحة المواتية، باستطاعته أن يدفع مكافحة التبغ إلى الأمام بشكل مذهل في دول تتباين فيها النظم القانونية تباينا كبيرا. ونذكر على وجه الخصوص القرارات الأخيرة في الهند، وهي بمثابة علامات على الطريق، حيث تتوافر لها القدرة على تغيير البيئة الاجتماعية بصورة أعمق مقارنة بما يحققه التقاضي في الولايات المتحدة الأمريكية، وتضرب بذلك المثل للتقاضي في أماكن أخرى من العالم. ولأول مرة تضع قضية جديدة في المملكة العربية السعودية المسائل المتعلقة باسترداد تكاليف الرعاية الصحية أمام أنظار محكمة إسلامية. والقضايا المبتكرة في كل من بنجلاديش وأوغندة تبين أنه حتى ولو لم تتوافر المصادر المالية الكبيرة، فإن التقاضي على أساس مبتكر ومحكم العرض يمكن أن يشكل السياسة والرأي العام. والجديد في الأمر ما ابتكره الموظفون في استراليا والنرويج من حيث رفعهم قضايا مطالبين فيها بالحماية من التدخين السلبي. إن القضايا المرفوعة مطالبة باسترداد تكاليف الرعاية الصحية، وقضايا التهريب التي لا تزال منظورة أمام المحاكم في عديد من الدول إن كتب لها النجاح، فقد يتمخض عنها استرداد أموال تضارع تلك التي قضت بها المحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية بشأن استرداد تكاليف الرعاية الصحية.
ولقد رفعت قضايا التبغ على اختلاف أنواعها أمام محاكم استراليا وبنجلادش والبرازيل وكندا والصين وفنلندا وفرنسا وألمانيا والهند وايرلندا وإسرائيل وجزر مارشال وباكستان واليابان والنرويج وعمان وبيرو وبولندا وكوريا الجنوبية وأسبانيا وسيريلانكا وسويسرا وأوغندة والمملكة المتحدة(42). وهناك الآن على الأقل ثمانين قضية منظورة أمام محاكم إحدى عشرة دولة(43) كما أقام عدد من حكومات الدول دعاوى أمام المحاكم الأمريكية رغم عدم تقبل هذه القضايا بقبول حسن(44). لا يتسع المقام في هذا الملخص لعرض قائمة شاملة بحالات التقاضي في أرجاء العالم إلا أننا نعرض هنا لعينة من تلك القضايا بغية تبيان التنوع المذهل لمختلف الاتجاهات والأساليب في العالم.
أستراليا
ليس من بين دول العالم باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية من له خبرة أعمق بالتقاضي بشأن التبغ أكثر من استراليا ففي حين منعت قواعد اللجوء إلى القضاء في استراليا رفع دعاوى نيابة عن المدخنين الأستراليين، إلا أن هناك سلسلة من القضايا الرائدة في مجال التعرض للتدخين السلبي وكان لها فضل السبق في نشر هذه المسألة في كافة أنحاء العالم(45). تتضمن هذه القضايا ما يلي:

●    منظمات الاتحاد الأسترالي لحماية المستهلك ضد معهد التبغ في استراليا(46)، ولقد صدر القرار الحاسم في 1991 بعد جلسات استماع امتدت على مدى مائة يوم حيث تقرر أن تشكيك إعلانات شركات التبغ بشأن الآثار الضارة للتدخين السلبي كانت مضللة وخادعة، وكان لهذا القرار الفضل في تغيير مفهوم الجمهور عن مخاطر التدخين السلبي ليس فقط في استراليا ولكن حول العالم أجمع.
●    قضية شوولم ضد وزارة الصحة، أصدرت محكمة مقاطعة نيو ساوث ويلز في 1992 حكما بتعويض إحدى غير المدخنات بمبلغ 85.000 دولار أسترالي عن متاعب جهازها التنفسي الذي سببها التدخين في مكان العمل، وهذا الحكم هو أول حكم قضائي قضى بالتعويض نيابة عن المضرور من التدخين السلبي.
●    قضية بيزلى ضد بي أند أو كروز لاينز، دعوى أقيمت في 1994 أمام المحكمة المحلية في نيو ساوث ويلز، حيث حكم فيها لأحد غير المدخنين كان مسافرا في رحلة بحرية بمبلغ قدره 3500 دولار أسترالى كتعويض له بعد أن وعدته شركة تشغيل هذه الرحلات بأن هذه الرحلة مخصصة لغير المدخنين.
●    قضية نيوسن ضد شركة هيلتون أستراليا المحدودة للفنادق(47)، وهذه القضية أساسها التمييز بسبب العجز، ولقد حكم فيها للمدعية المصابة بالربو بمبلغ 2000 دولار أسترالي تعويضا لها بعد أن أخرجت من ملهي ليلى بسبب الدخان الكثيف داخله.
●    قضية باولز ضد كنتن بيتي المحدودة، صدر الحكم في سبتمبر 2000 عن محكمة ملبورن لصالح إحدى العميلات التي تعرضت للدخان في أحد المطاعم مما أدى إلى إصابتها بأزمة ربو حادة وأمراض في جهازها التنفسي استمرت ستة أسابيع. فلقد وجدت تلك المحكمة أن المطعم مهمل ومخالف لما عليه من واجب نحو توفير البيئة الآمنة لعملائه ومن ثم حكمت لها المحكمة بتعويض قدره 4000 دولار أسترالي نظير الألم والمعاناة والمصروفات الطبية وخسارة الدخل(48).
●    قضية شارب ضد بورت كمبلا آر. إس. إل. صدر القرار الحاسم عن المحكمة العليا في نيو ساوث ويلز في مايو 2001 بتعويض عامل غير مدخن 242.000 دولار أسترالي نظرا لإصابته بسرطان الحلق بعد أن عمل لمدة إحدى عشرة سنة في حانة مليئة بالدخان(49).
أما القضايا الأخرى التي رفعت في استراليا فلم تحقق مثل هذا القدر من النجاح فلقد رفضت محاولات منع التدخين على الرحلات الدولية(50) وإجبار إحدى شركات تصنيع السجائر برد ما تكلفه أحد المدخنين لكي يقلع عن التدخين(51) وكان أساس رفض هذه المحاولات هو عدم كفاية الأدلة التي تثبت وقوع الضرر.
ولقد كان للمعايير الإجرائية الأسترالية دوراً كبيراً في الحيلولة دون رفع دعاوى جماعية للمطالبة بالتعويض وعلى الرغم من أن المحاكم الأسترالية تسمح بتجميع الدعاوى الفردية عن طريق "التمثيل في الدعوى"، إلا أنها أيضاً تتمسك بمبدأ "خاسر الدعوى يتحمل كل التكاليف" كما أنها تضيق أيضاً من استخدام المصاريف العارضة، وفي عام 1999 بدأت اثنتان من كبريات الدعاوى التي ترفع تمثيلا وفيما بعد ضمت هاتان الدعوتان لأن الادعاءات تشبه دعاوى استرداد تكاليف الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها في النهاية لم يسمح لها بأن تكون بمثابة قضية جماعية وهكذا تكون الدعوى قد انتهت فعلا(52). هناك دعوى أخرى رفعت بطريق التمثيل وهي دعوى مؤسسة تحالف مكافحة التبغ ضد شركة فيلب موريس المحدودة (أستراليا)، وآخرين، قضية رقم (1089N-) لسنة 1999، حيث رفعت هذه القضية بالنيابة عن هيئات الصحة والرعاية الطبية والمدخنين الذين لم يصابوا بأمراض بعد، بالإضافة إلى محاولة ضم دعاوى مرفوعة بالنيابة عن دول ومقاطعات وغيرهما من دافعي تكاليف الرعاية الصحية ولقد نجح المدعى عليهم في الاستفادة من قاعدة "الخاسر يدفع" واستصدروا أمراً من المحكمة يلزم المدعى وهو تحالف مكافحة التبغ أن يدفع 300.000 ألف دولار كضمان ولكن لتعذر إيداع هذا المبلغ كانت النتيجة أن رفضت هذه الدعوى(53).
بنجلاديش
يظهر التقاضي في بنجلاديش قدرة الدعوى المرفوعة أمام المحكمة بأسلوب مبتكر محدد الهدف بعناية على إحداث تغيير اجتماعي حتى وإن كان يعوق ذلك موانع إجرائية ونقص في الموارد(54). إن وجود قانون الضرر المستقر وعدم توافر رفع دعاوى جماعية واقتران ذلك بصعوبة إثبات الضرر يجعل قضايا التعويضات في بنجلاديش قضايا مكلفة وصعبة. إلا أن المحامين هناك، وقد أخذوا هذه المصاعب في الاعتبار، ابتكروا وسيلة جديدة وهي (دعوى حماية المصلحة العامة)، وذلك استناداً إلى قواعد العدالة والإنصاف بهدف دعم مكافحة التبغ. ولقد تضمنت القضية استخدام شركة التبغ البريطانية الأمريكية (British American Tobacco) ليخت سياحي فاخر كأداة للترويج لمنتجاتها من السجائر. واستناداً إلى الحق في الحياة والحرية الذي يكفله دستور بنجلاديش تمكن المطالبون من إثبات أن يخت هذه الشركة يمثل "إعلانا"، والأدهى من ذلك أنه إعلان عن السجائر غير مقرون بالتحذيرات الصحية المناسبة، الأمر الذي يجعله متعارضا مع الحق في الحياة الذي يكفله الدستور. وهذا القرار الذي كان لا يزال منظورا أمام أعلى محكمة في بنجلاديش إبان انعقاد مشاورة عمان، ساعد كثيرا في التعجيل بتكوين تحالف وطني من المنظمات غير الحكومية المعنية بمكافحة التبغ ووضع التشريع الوطني الشامل المقترح لمكافحة التبغ.
كندا
هناك قضية كبيرة وهامة يجرى نظرها الآن في مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية حيث تمثل نموذجاً للتقاضي بشأن استرداد تكاليف الرعاية الصحية وفقاً للسلطة الدستورية(55). لقد أقامت مقاطعة كولومبيا البريطانية – باعتبارها المسئولة عن توفير الرعاية الصحية الشاملة للمقيمين فيها – في يناير 2001 - دعوى ضد شركات تصنيع التبغ مطالبة إياها بدفع المبالغ التي تكبدتها في علاج المدخنين من الأمراض ذات الصلة بالتدخين. تستند هذه الدعوى إلى القانون الصادر في عام 2000 بشأن أضرار التبغ واسترداد تكاليف الرعاية الصحية (وهذا القانون في ذاته تعديل لقانون سابق جاء عقب اعتراض دستوري قدم للمحكمة العليا في كولومبيا البريطانية). وهذا القانون تشريع خاص بهذه المقاطعة يمكن الحكومة الإقليمية مما يلي أولاً: قبول الدعوى المباشرة (ونقصد بالدعوى المباشرة الدعوى غير المؤسسة على الحلول) ضد شركات تصنيع التبغ، وثانياً: قبول الدعوى ضد شركات التصنيع مجتمعة، وثالثاً: الاستفادة من الدليل الإحصائي والدليل المستنبط من علم دراسة الأوبئة لإثبات العلية والضرر، ورابعاً: توزيع أي مسئولية فيما بين شركات التصنيع وفقا لمبادئ القانون العام أو لمبادئ العدل والإنصاف(56). ولقد اعتمدت مقاطعات كندية أخرى، أو لا تزال تنظر اعتماد نماذج أخرى تتسق ومع تشريع استرداد تكاليف الرعاية الصحية. إن مثل هذا التشريع المعمول به في مقاطعة كولومبيا البريطانية يعطينا أحد نماذج حل بعض الصعوبات الشديدة من الناحية الإجرائية فيما يتعلق بالتقاضي بشأن استرداد التكاليف، لاسيما تلك المسائل المتعلقة بتحمل الخطر وغير ذلك مما استندت إليه شركات تصنيع التبغ من دفوع تقليدية وكذلك المسائل المتعلقة بإقرار سببية المرض وحساب التعويضات، ومسائل توزيع المسئولية بين شركات التصنيع وأخيراً المسائل التي قد تثور بشأن قواعد الوقف والانقطاع.
وبالإضافة إلى مقاطعة كولومبيا البريطانية لا تزال هناك قضية رفعت في عام 1999 بشأن استرداد تكاليف الرعاية الصحية رفعتها مقاطعة أونتاريو منظورة أمام محكمة الاستئناف في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن رفضتها إحدى المحاكم الفيدرالية(57)، وهناك الآن ثمان دعاوى خاصة (أربع منها دعاوى جماعية وأربع فردية) لا تزال منظورة في مقاطعات أونتاريو وكوبيك وكولومبيا البريطانية. وإضافة إلى ذلك كان هناك قضيتان أمام محاكم محلية، إلا أنهما لم يكتب لهما النجاح. ولقد رفضت دعوى التهريب التي أقامتها الحكومة الكندية في الولايات المتحدة الأمريكية على يد محكمة استئنافية، على الرغم من أن فرصة إيداع استئناف آخر لا تزال قائمة(58).
الهند
هناك الآن دعوتان تنظرهما المحكمة العليا للاتحاد الهندي وهما ضمن أهم أبرز التطورات في التاريخ العالمي للتقاضي بشأن التبغ وقد تكون بمثابة المرشد لدول أخرى بشأن التقاضي في هذا الصدد. ولقد بدأت قضايا المصلحة العامة بالتماسات لاستصدار أوامر قضائية. وتستند هذه الإجراءات إلى المزية التي يمنحها حق المواطنين في الالتماس من المحكمة العليا في الهند لتنفيذ حقوق أساسية يكفلها الدستور، أو عند الضرورة إجبار الحكومة على القيام بذلك. وهذه الالتماسات تتخطى إجراءات الدعوى المعتادة التي ينص عليها القانون، ومن ثم فهي طريق أيسر للوصول إلى العدالة وصياغة طلبات مبتكرة وواسعة النطاق ولا يحدها إلا القدرة على الابتكار ورغبة القضاة(59).
ولقد ظهرت القدرات الكامنة في هذه الإجراءات كأوضح ما يكون الظهور في نوفمبر 2001 عندما قدمت المحكمة العليا في الهند العناصر الأساسية لالتماس شعبي جارف لتحقيق المصلحة العامة بدأه رئيس لجنة الكونجرس لإقليم ممباي، السيد/ مورلى ديورا، ضد كل من الاتحاد الهندي وشركات التبغ الهندية(60). ولقد تأسس هذه الالتماس على الحقوق الدستورية الأساسية المخولة لكل مواطن لأن يحيا، وأن ينعم بصحة جيدة وبيئة نظيفة. وجاء في التماس ديورا أن الاتحاد الهندي قد تخلى عن مسئوليته حيال تأمين الصحة العامة، لاسيما "صحة الأطفال في سني عمرهم الغض"، وأن الاتحاد قد قعد عن التصرف حيال الاستفادة من مكافحة التبغ. ولقد أهاب الالتماس بوزارة الصحة ورعاية الأسرة أن تتوجها صوب وضع سياسة وطنية شاملة لمكافحة التبغ، لا سيما حظر التدخين في الأماكن العامة، وإقرار وضع تحذيرات صحية أشد قوة على السجائر، وتنفيذ حظر الإعلان عن السجائر تنفيذاً صارماً، ومراقبة منع بيع السجائر للأطفال، وإنشاء صندوق لتعويض ضحايا التدخين تتولى تمويله شركات التبغ(61). وفي الثاني من نوفمبر 2001، أقرت المحكمة العليا، بناء على اقتراح من محامي مقدم الالتماس وبموافقة النائب العام، وولايات الاتحاد الهندي في أن تصدر أوامر مباشرة تحظر التدخين في المستشفيات والمؤسسات التعليمية، والسكك الحديدية، ووسائل النقل العام، والمحاكم والمكاتب العامة، والمكتبات، وقاعات الاجتماعات والحفلات في كافة أنحاء الدولة(62). فلقد أحرزت المحكمة في حركة واحدة تدابير طال انتظار تحولها من مجرد اقتراحات إلى واقع، والتي كانت لا تزال آنذاك مطروحة للنقاش على البرلمان الهندي.
وفي نفس الوقت أقرت المحكمة جانباً آخر من جوانب الالتماس. فلقد احتج محامي مقدم الالتماس بأن القيود على الإعلانات ومتطلبات التحذيرات الطبية المعمول بها في الهند "غير مرضية بشكل يدعو إلى اليأس والقنوط" وأنها تتخذ هدفاً "للسخرية والاستهزاء بلا وجل أو حياء" ليس فقط من قبل الدوريات الأجنبية التي تنشر الإعلانات دون ذكر التحذيرات الصحية، ولكن أيضاً من قبل الشركات باستخدامها لمد نطاق إعلاناتها عن الأصناف ورعاية اللقاءات والأحداث الرياضية لتتجنب شروط التحذيرات الطبية، على سبيل المثال بأن تجعل لاعبي الكريكت يرتدون ملابس تحمل شعارات تلك الشركات. واستجابة لذلك أمرت المحكمة العليا بتوجيه مأموري الشرطة في المدن الكبرى إلى إبلاغ المحكمة بأي إجراءات يتخذونها لتنفيذ القانون الخاص بالإعلان.
وهذه القضية التاريخية لا تزال أمام المحكمة العليا لمواصلة الإجراءات، حيث يمكنها إقرار عنصر آخر من الطلبات واسعة النطاق التي طلبها مقدم الالتماس. إلا أن هذه القضية قد أرست معايير جديدة لقدرة التقاضي بشأن التبغ على إحداث تغييرات اجتماعية كبيرة في وقت قصير ودون تكبد مصروفات يكون من شأنها قعود المطالب عن موالاة طلبه.
وثمة التماس جارف أيضا قبلته المحكمة العليا في عام 2000، وهو أيضا يشدد على قدرة التقاضي هذه. ففي هذه الدعوى التي رفعها أمام المحكمة العليا المحامي رانى جيتمالانى، وهو أحد المشاركين في مشاورة عمان، في هذه القضية طلبت إحدى المنظمات النسائية غير الحكومية، وهي منظمة "بحث الدعاوى والمساعدة القانونية للمرأة"، توجيه الحكومة الوطنية نحو إجراء أول تحريات جنائية من نوعها على صناعة التبغ الهندية، والتركيز على دور شركات تصنيع السجائر في تهريب السجائر داخل الهند، وذلك في أعقاب التقارير الصحفية الاستقصائية وما ظهر من مستندات صناعة التبغ ذاتها(63). وهذه القضية كسابقتها – قضية ديورا – تؤكد أن تقاعس الحكومة عن القيام بدورها قد قوض الحقوق الدستورية للمواطنين في الحياة والصحة. وتطلب هذه القضية أيضا إنشاء صندوق للتعويضات تحت إشراف وزارة الصحة ورعاية الأسرة. وفي أغسطس 2001 قرر قضاة المحكمة العليا أن القضايا التي أثارها الالتماس تبدو صحيحة، إلا أنهم أعربوا عن تشككهم بشأن إمكانية الأمر بإنشاء صندوق للتعويضات، وطلبوا من النائب العام أن يتقدم بتقرير عن وضع الاقتراحات المماثلة المطروحة على البرلمان(64). ولا يزال هذا الالتماس منظورا أمام المحكمة، وإن انتهي المطاف بالنجاح في نقل الجدل الدائر بشأن التهريب وسلوك شركات تصنيع التبغ إلى أروقة المحاكم الجنائية، فإن هذا الالتماس سيثبت بصورة أشد القوة الهائلة الكامنة في التقاضي بهدف تحقيق المصلحة العامة.
إن هذه القضايا ليست الأولى من نوعها في الهند، فلها سوابق. فلقد سبق للمحكمة العليا أن أمرت بحظر التدخين في الأماكن العامة بعد أن أصدرت أمراً آخراً يضاهيه من حيث القوة صدر قبله بعامين من محكمة الاستئناف في ولاية كيرالا(65). ففي هذه القضية استند في السعي نحو تحقيق المصلحة العامة إلى أن الحق الدستوري في الحياة يتضمن أيضاً الحق في التحرر من التدخين في الأماكن العامة، والتحرر أيضا من الأمراض ذات الصلة بالتدخين. والقرار الحاسم، وهو بمثابة علامة على الطريق، الصادر عن القاضي كيه. نارايانا كوروب جاء أيضا تأييداً لما سبق القول به، حيث ورد فيه أن تدخين التبغ، أيا ما كانت صورته، في الأماكن العامة أمر غير مشروع وغير دستوري حيث يخالف ما تقضي به المادة رقم (21) من الدستور الهندي، وليس الأمر كذلك فحسب، بل أن التدخين في الأماكن العامة تلويث للهواء ومصدر إزعاج للناس. ولقد أضافت المحكمة من جانبها وهي بصدد إظهار السلطة الواسعة التي يتمتع بها القضاة عندما يؤسسون أحكامهم على مبادئ العدل والإنصاف، أضافت إلى قائمة المدعي عليهم الأصليين الذين أقام المدعى دعواه في مواجهتهم الكثير من المسئولين العموميين، وذلك بهدف ضمان التنفيذ الجاد لأمر المحكمة بوجوب أن تصدر الدولة أوامر بحظر التدخين في الأماكن العامة. وبعد رفض الاستئناف أصدرت المحكمة أمرا تكميليا يشدد ويدعم الأمر الصادر منها، وألزمت الشرطة بأن تقدم تقارير منتظمة بشأن ما تبذله من جهود لتنفيذ هذا الأمر. ونتيجة لذلك وقعت الغرامات على الآلاف من المدخنين، وبعد مرور عام على صدور هذا القرار كان التدخين في الأماكن العامة قد قضى عليه في كل أنحاء ولاية كيرلا تقريباً.
وثمة التماسات أخرى على قدر مماثل من الانتشار يجرى النظر فيها الآن أمام العديد من المحاكم الأخرى في الهند. وهذه القضايا تمثل نماذج قوية وجديرة بالاهتمام وتستحق أن تكون موضوع دراسات دقيقة ليس فقط في الدول الأعضاء ذات التقاليد المستقرة في التقاضي تحقيقا للمصلحة العامة، ولكن أيضا على يد المسئولين عن الصحة والمحامين في كل أنحاء العالم.
النرويج
قضت المحكمة العليا في النرويج حكما هاما في قضية مسئولية صاحب العمل عن التأمين على العاملين لديه وكان ذلك في أكتوبر 2000، عندما حكمت بتعويض قدرة 260.000 دولار لعاملة أصيبت بسرطان الرئة بعد أن عملت لمدة خمسة عشر عاما على البار في أحد الملاهي الليلية، حيث الكثير من المدخنين. وهذه القضية التي تمثل علامة هامة بكل المقاييس تزداد أهمية على ضوء حقيقة أن الموظفة نفسها كانت تدخن السجائر لمدة تتجاوز خمسة وعشرين عاماً، وهذا أمراً اعتبرته المحكمة مقللا من فرص شفائها بيد أنه لا يحول دونه تماما. وهذا الحكم بالإضافة إلى حكم مماثل في استراليا في مايو 2001 يمثلان علامة بارزة على الطريق نحو  إقرار المسئولية عن الضرر التي يسببها التدخين السلبي وذلك في كل أنحاء العالم.
نظرت محكمة أوركدال في نوفمبر 2000 أول قضية تقوم على الضرر الشخصي في النرويج ضد إحدى شركات تصنيع التبغ. فلقد حكمت تلك المحكمة أن سرطان الرئة الذي أصاب المدخن روبرت لونت قد سببه تدخين السجائر غير المصنعة الذي اعتاده من عام 1953. وتوافرت في هذه الحالة شروط المسئولية عن عيوب تصنيع المنتج، إلا أن عدم إقلاع هذا المدخن عن التدخين بعد أن أصبحت أخطاره معروف للكافة هو الذي وقف حائلا دون حصوله على تعويض  من الشركة الكبرى المصنعة للتبغ في النرويج، وهي شركة تيدمانز توباكس فبريك “Tiedemanns Tobakksfabrik”. ولقد توفي روبرت لونت بعد المحاكمة بوقت قصير واستأنفت امرأته الحكم. وهناك قضية ثالثة تقوم على الإصابة الشخصية وهي جاهزة للحكم فيها في أوائل 2002، بالإضافة إلى أربع أو خمس قضايا أخرى لا تزال محل نظر أمام القضاء النرويجي.
ولعل من أكثر الأمور أهمية المساندة التي أبدتها وزارة الصحة والشئون الاجتماعية في النرويج بشأن المراجعة المتأنية والشاملة لموضوع المسئولية عن الضرر بالنسبة لصناعة التبغ في ظل القانون النرويجي. فلقد اجتمعت لجنة خبراء بناءً على طلب الوزارة وخرجت بتقرير يحوى 700 صفحة في يوليو 2000 انتهت فيه إلى أن قرى ومدن النرويج قد يكون أمامها فرصه كبيرة جدا لأن تكسب قضايا استرداد تكاليف الرعاية الصحية التي ترفع ضد شركات تصنيع التبغ في ظل القانون النرويجي، وإن كانت مثل تلك القضايا لم ترفع بعد(66).
المملكة العربية السعودية
حدث في ديسمبر 2001 واحد من أبرز التطورات في عولمة التقاضي بشأن التبغ حيث رفع المستشفي الرائد في علاج السرطان في المملكة العربية السعودية، مستشفي الملك فهد التخصصي، دعوى أمام المحكمة الشرعية الكبرى في مدينة الرياض ضد عشر من شركات تصنيع التبغ الدولية ووكلائها المحليين. طالب المستشفي بمبلغ قدره 2.9 بليون دولار كتكلفة تقديرية لعلاج حوالى ثلاثة ملايين مريض مدخن على مدى خمس وعشرين سنة(67). ولقد سبق ذلك في أوائل عام 2001 أن رفع المستشفي دعوى مماثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وأفصح عن عزمه على رفع دعوى ثالثة في سويسرا وكذلك عن احتمال رفع دعوى ضد مصنعي التبغ الذين ينتجون التبغ الذي يستعمل في تدخين الشيشة(68).
لقد كانت الدعوى المرفوعة في الرياض على وجه الخصوص دعوى غير مسبوقة حيث أنها تمثل أول إجراء يلفت النظر إلى الممارسات الاحتيالية التي تلجأ إليها شركات تصنيع التبغ الدولية بوجه عام من منظور قواعد استرداد تكلفة الرعاية الصحية بوجه خاص وطرح هذا كله أمام محكمة إسلامية. ونظراً لأن المحاكم الشرعية تستهدي في أحكامها بمبادئ الشريعة الإسلامية فإن تعاطيها لتلك القضايا قد يختلف اختلاف بينا عن ما تنتهجه محاكم أخرى من أساليب ترتكز على تقاليد قانونية مختلفة. وهذه المبادئ الحاكمة تمكن المحاكم الإسلامية من أن تتعامل بقدر عال من المرونة لا يتاح لغيرها كما تمكنها أيضاً من أن تأخذ مباشرة من تعاليم الإسلام لا سيما أراء كبار الفقهاء التي تقضى بأن التدخين حرام أو يجب التنفير منه باعتباره رذيلة تضعف البدن وتحط من همة وشرف الإنسان. إن إدخال القضايا الخاصة بالتبغ وعرضها على المحاكم الإسلامية قد يؤدي إلى أن تكون هذه القضية الجديدة في المملكة العربية السعودية فاتحة لأبواب الكثير من الاحتمالات الجديدة التي تدعم عولمة التقاضي بشأن التبغ ليس فقط من أجل استرداد تكاليف الرعاية الصحية ولكن على قدر لا يقل أهمية عن ذلك أيضاً، من أجل منع الإعلان عن التبغ والسيطرة على بيعه للشباب وحظر التدخين في الأماكن العامة.
سيـريلانكا
يحكم الدعاوى المدنية التي تطالب بالتعويض في سيريلانكا مبادئ القانون الهولندي الروماني الذي يختلف اختلاف بينا عن القانون الإنجليزي والأمريكي، وهو قانون يضع عقبات لا نظير لها في أي قوانين أخرى أمام طريق التقاضي لاسترداد التكاليف. إلا أن هذا لم يحل دون رفع أول دعوى مؤخرا في سيريلانكا وهي دعوى فردية ضد التبغ رفعها خياط يبلغ من العمر خمسة وخمسين عاماً يدعى فيها أن إصابته بسرطان الرئة كانت بسبب السجائر التي تصنعها شركة سيرليلانكية أسمها "شركة التبغ السيريلانكية" “Ceylon Tobacco Company” فلقد ذكر المدعى أنه قد أدمن تدخين السجائر منذ أن كان في سن الخامسة عشرة سنة وأن الشركة المصنعة قد حجبت بإهمال منها وتحايل، حقيقة أن منتجاتها منتجات يدمنها من يتعاطاها وأنها تسبب السرطان وغيره من الأمراض. إلا أن الشركة المدعى عليها قد أنكرت هذه الادعاءات وقالت أنها قد أكدت على إعلام الجمهور بالآثار الضارة لمنتجاتها. ولاتزال هذه القضية ماثلة انتظاراً للفصل فيها(69).
أوغندة
يستخدم المحامون في أوغندة كنظرائهم في بنجلاديش والهند، التقاضي تحقيقا للمصلحة العامة استخداما مبتكرا ساعين بذلك نحو تحقيق تقدم مذهل في مكافحة التبغ دون تحمل للأعباء المالية الجسيمة التي يكتنفها التقاضي لاسترداد تكاليف الرعاية الصحية. فلقد رفعت "شبكة العمل البيئي" الأوغندية، وهي منظمة غير حكومية تعمل في مجال البيئة، دعوى تطالب فيها بفرض تطبيق حظر التدخين في الأماكن العامة في كل أنحاء الدولة(70). ولقد استندت في دعواها إلى طلب المحكمة أن تحمى الحقوق التي يكفلها الدستور الوطني، وهي في ذلك تسير على خطى الالتماسات التي قدمت في كل من الهند وبنغلاديش (وفي هذه الحالة نجد أن الحق في الحياة والحق في بيئة نظيفة صحية تكفلهما المادتان 21 و 39 من الدستور الأوغندي) حيث ادعت أن غياب القيود على التدخين في الأماكن العامة يخل بتلك الحقوق الدستورية. وعلى غرار التقاضي في الهند جاء الالتماس الأوغندي موجها ليس ضد شركات تصنيع التبغ ولكن ضد كبار المسئولين العموميين الذين يناط بهم حماية الحقوق الدستورية. وبعد القرارات الأولية التي قبل بموجبها موقف المنظمة المتقدمة بالالتماس ورفض موقف الشركة المصنعة، وهي شركة التبغ البريطانية الأمريكية، في التدخل، أخذت القضية منحى جديدا وهو التفاوض حول تسوية يمكن تحقيقها بشأن فرض قيود جديدة أشد صرامة على التدخين في سلسلة واسعة من الأماكن العامة. وهذه المفاوضات متوقفة في الوقت الحالي. وأيا ما كانت نتائج هذه القضية فأنها قد أظهرت أن التقاضي إن صحت ظروفه وملابساته يمكن أن يستخدم كأداة فعالة في الدول محدودة الدخل، ومن ثم ليس من الضروري أن يكون التقاضي مكلفاً بالدرجة التي تجعل من يلتجأ إليه يفكر مراراً قبل أن يقدم عليه.
4.    نقطة الانطلاق: مستندات صناعة التبغ
أن نقطة الانطلاق لعمل أي تحليل سواء للنظر في إمكانية إجراء تحقيقات عامة أو اللجوء إلى القضاء هو المعلومات التي تحويها مستندات شركات صناعة التبغ، وتتضمن خمس وثلاثون مليون صفحة كشف عنها النقاب نتيجة للدعاوى التي رفعت في ولاية مينيسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي غير ذلك من البلاد(71). لقد أكد المشاركون في مشاورة عمان بشدة على أن تلك المستندات وما تحويه من خبايا لا زالت تتكشف، هي حلقة الربط الأساسية بين المسائل الطبية والنظريات القانونية، وهي أهم أداه لإعادة تشكيل الجدل الدائر في الدول الأعضاء حول الخيارات القانونية المطروحة.
تنبع أهمية مستندات صناعة التبغ هذه جزئيا من كونها دليل إثبات قاطع على أن صناعة التبغ قد عرفت وعلى مدى وقت طويل مضى أن المنتجات التي تنتجها تسبب الإدمان وهي السبب لكثير من الأمراض، وأن هذه الشركات تستهدف الأطفال، وأنها تتلاعب في كيمياء تصنيع السجائر. وعلى نفس القدر من الأهمية أيضاً الأسلوب الجلي الواضح الذي تكشف به هذه المستندات الخداع الذي يسري في جنبات كل ما صدر عن هذه الصناعة من تصريحات وأعمال على مدى الخمسين عاما الماضية. وبالكشف عن الطبيعة المخاتلة والساخرة سخرية لاذعة التي تتسم بها كلمات كبار المسئولين في صناعة التبغ، وهو ما ظهر جلياً في تصريحاتهم وأعمالهم، فإن هذه المستندات تنفي عن هذه الصناعة المصداقية، وتجعل من حججها التي تتقدم بها الآن حججاً داحضة وتركز الجدل على سلوك تلك الشركات.
وإضافة إلى ما ذكر فإن لهذه المستندات القدرة على التركيز الموضوعي للنقاش، فهذه المستندات بالإضافة إلى ما تحويه من معلومات كشف النقاب عنها حول الأمور الصحية والمؤامرة العالمية التي حاكتها صناعة التبغ واستمرت في ذلك لمدة طويلة، فإن هذه المستندات تضم أيضا قدراً ضخماً بشكل يثير العجب من صور تلاعب صناعة التبغ المباشر ومحاولاتها السيطرة على جهود الصحة العامة في دول وأقاليم معينة، واستخدامها لمجموعات المواجهة، وهي تكتلات المستشارين المستقلين والتحالفات السياسية السرية. ونعرض مثالاً واحداً فقط على ذلك وهو عبارة عن مذكرة مليئة بالمعلومات المفزعة مكونة من خمسة عشر صفحة وهي ضمن المستندات التي جرى الكشف عنها في ولاية مينيسوتا، حيث تبين الاستراتيجية الشاملة التي طبقتها بنجاح صناعة التبغ في عام 1993 لتجهض حظراً عن الإعلان عن منتجات التبغ اقترحه الدكتور شريف عمر، وهو عضو بارز في البرلمان المصري(72). ومما يثير الذهول أن من وضع تلك الخطة هو المكاتب الإقليمية لشركة فيليب موريس متعددة الجنسيات، على الرغم من أن حصة شركة فيليب موريس من سوق السجائر المصرية حصة ضئيلة للغاية. فلقد طالبت هذه الخطة ليس فقط بإجراء مناورات تشريعية وحشد وتعبئة الاعتراض الجماهيري على تشريع، ولكنها طالبت أيضا بالاستخدام السري للتحالفات والوسطاء وألمحت إلى أن هؤلاء المؤيدين السريين يضمون رموزاً سياسية في مصر والدول المجاورة. ويمكن لهذه المستندات إن أميط اللثام عنها وكشف عن التحالفات السرية الواردة فيها، أن تثير قلق الشعب وتؤثر على التوازن الداخلي بالقوى السياسية. وفي غالب الأحيان تقوم هذه الاتصالات المحلية بدور كبير لجعل هذه المعلومات حقيقة، وتشجع على مكافحة التبغ أكثر مما يقوم به الكشف عن تلك المستندات التي أصبح محتواها معلوماً تمام العلم.
نظراً لتلك الأسباب شدد المشاركون في مشاورة عمان على الحاجة إلى الإجبار على الإفراج عن مستندات أخرى حول العالم وتحسين وسائل الإطلاع على المستندات المتاحة حالياً للجمهور وزيادة القدرة على البحث في المستندات وتحليلها ونشرها.
هناك الآن حوالي خمس وثلاثين مليون صفحة من المستندات الخاصة بصناعة التبغ متاحة للجمهور، وقد جاء الإفراج عن معظمها نتيجة الدعوى ضد صناعة التبغ التي رفعتها ولاية مينيسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية. ولقد جاءت هذه المستندات من ملفات مصنعي السجائر الذين يبيعون أكثر أنواع السجائر مبيعا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي شركات فيليب موريس ومجموعة التبغ البريطانية الأمريكية وفروعها في الولايات الأمريكية المتحدة وشركة براون وويليمسون وشركة لورى لارد ولجت ومايرز. ونظراً لآن هذه المستندات قد جرى إخراجها على غرار قضية مينيسوتا، فأنها تحوى فقط جزءاً صغيراً من مستندات تلك الشركات الموجودة في كافة أنحاء العالم (وهذا الجزء من المستندات لم يكن يتنبأ به أحد)، فعلى سبيل المثال لا تتضمن هذه المستندات كل ملفات الشركة بشأن التدخين السلبي، أو الملفات الكاملة لفروع تلك الشركات في أنحاء العالم، ويرجع السبب في ذلك إلى أن هذه الملفات لم تكن مطروحة للنقاش في قضية مينيسوتا. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه المستندات لا تتضمن أيضا المستندات الخاصة بشركات التبغ الكبيرة الأخرى التي لم تكن طرفاً في قضية مينيسوتا مثل شركة تبغ اليابان أو شركة ريمستما أو شركة سياته (وهي الآن شركة التادس) أو شركة روثمنز (التي انضمت الآن إلى شركة التبغ البريطانية الأمريكية) أو شركة التبغ الصينية، باستثناء ما تكون هذه الشركات قد ضمنته في ملفات المدعى عليهم في قضية مينيسوتا. وأخيراً وعلى الرغم من أن المجموعات العامة من المستندات تتضمن الآلاف من المستندات التي حاولت الشركات أن تمنع إظهارها باعتبارها مستندات سرية متبادلة بين المحامى وموكله فهناك آلاف عديدة من المستندات الأخرى لم يكشف عنها حتى اليوم ولا زالت مخبوءة في أقبية شركات التبغ (ومنها على سبيل المثال: آلاف من المستندات "الممتازة" المتعلقة بالبيع والتسويق للشباب). وهكذا فإن مستندات مينيسوتا ما هي إلا عربون تعارف بما يمكن أن تكون عليه الحال إذا ما صار ممكنا في يوم من الأيام فتح كل ملفات صناعة التبغ في كافة أرجاء العالم.
وعلى الرغم من تلك المعوقات إلا أن مستندات مينيسوتا أثبتت أنها كنز معلومات وعلى الرغم من أن محتوياتها شئ لا يمكن التكهن به إلا أنها تقدم بصورة تدعو إلى العجب الكثير من المعلومات العامة مثل تلك المعلومات التي تحويها الوثيقة المصرية المشار إليها أعلاه. وهذا هو ما يجعل من تلك المستندات نقطة الانطلاق وصولاً إلى قرارات بشأن الخيارات المتاحة قانونا. توجد مستندات مينيسوتا في عدد من الأماكن وبأشكال متنوعة. فهناك النسخ الورقية لمستندات الشركات الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك مجموعة محدودة من مستندات شركة التبغ البريطانية الأمريكية، وهذه المستندات يمكن الاطلاع عليها في أحد مستودعات المستندات في مينيسوتا(73). ويمكن الاطلاع على النسخ الورقية لمستندات الشركة البريطانية الأمريكية للتبغ في مستودع للمستندات في مدينة جلدفورد بالمملكة المتحدة(74). ولمزيد من التسهيل يمكن الاطلاع على مستندات مستودع مينيسوتا عن طريق شبكة الإنترنت(75). أما مستندات مستودع جلد فورد فهي غير متاحة على شبكة الإنترنت.
إقراراً لأهمية هذه المستندات وما تحويه من معلومات فلقد حدد المشاركون في مشاورة عمان أهم الحواجز التي تعترض زيادة استخدام هذا المصدر وأجمعوا على الحاجة الملحة لما يلي:
•    تركيز الجهود نحو الفوز بالإفراج عن مستندات إضافية من شركات تصنيع التبغ واتحادات هذه الصناعة خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
•     تحسين وسائل الاطلاع على مستندات مستودع جلد فورد، يفضل أن يتاح الاطلاع عليها إليكترونيا.
•    إنشاء آلية مركزية لمساعدة الدول الأعضاء فيما يلي:
-     الاطلاع الفعلي على هذه المستندات وترجمتها.
-     تعيين وتحليل المستندات ذات الصلة.
-     إعداد التقارير على المستوى القطري أو الإقليمي.
-     زيادة القدرة العالمية على البحث في المستندات وتحليلها.
-     نشر النتائج التي يتوصل إليها في تحليل المستندات.
5.    التحقيقات العامة: بديل قابلٌ للتطبيق
نظراً للتحديات المعقدة التي تكتنف التقاضي، ركزت مشاورة عمان وما دار فيها من مناقشات تركيزاً كبيراً على مواطن القوة ونقاط الضعف في التحقيقات العامة كاتجاه يمكن اتخاذه كتوطئة للتقاضي أو كبديل عنه. فلقد انتهي المشاركون إلى أن التحقيقات العامة المتعددة الأنماط والأشكال قد تكون خيارات جذابة يقبل عليها العديد من الدول الأعضاء. تتعدد أشكال التحقيقات العامة إلا أنها رغم هذا التعدد تشترك في مجموعة من الخصائص التي تميزها عن التقاضي الأمر الذي يجعلها الأسلوب المفضل في دول حيث يكون نجاح التقاضي وفق نظمها القانونية أمرا مظنونا، أو في حالة عدم توافر الموارد أو الدعم السياسي في التقاضي. والأهم من كل ما ذكر هو أن التحقيقات العامة حقيقة يمكنها أن تكون بمثابة "آلات الكشف عن الحقائق"(76) وهذا حسب منطوق العبارة البارعة التي جاءت على لسان أحد المشاركين في مشاورة عمان.
إن التحقيقات العامة الناجحة، وهذا هو الأهم، قد تكون قاعدة يقوم عليها دليل جديد واستنفار الدعم الشعبي، الأمر الذي من شأنه التمكين من النظر بشأن خيارات أكثر جدية فيما يتعلق بالتقاضي. وجدير بالذكر في هذا المقام أن الموجة الثالثة الناجحة من موجات التقاضي في الولايات المتحدة الأمريكية، أشعل نجاحها جزئياً التحقيقات التي أجرتها في عام 1994 إدارة الأغذية والأدوية بشأن الدوافع التي تحرك شركات تصنيع التبغ في تسويق السجائر والتحكم في نسب النكوتين بها، وما تزامن مع ذلك من جلسات استماع في الكونجرس. إن هذه التحريات والدراسات الاستقصائية قد نبهت الرأي العام بشدة وأوضحت موقف شركات تصنيع التبغ وأماطت اللثام عن معلومات مفزعة سواء أكانت في شكل مستندات أو إفادات الشهود، وهذا كله قد مهد الطريق أمام قضايا لاحقة.
ولقد استعرض المشاركون في مشاورة عمان أمثلة أخرى على التحقيقات العامة الناجحة وأبرزها كان التحقيق الذي أجرته لجنة الصحة بمجلس العموم في المملكة المتحدة حيث كان هذا التحقيق بمثابة نموذج للتحقيقات البرلمانية الناجحة(77). ولقد فحص التحقيق الذي أجري في المملكة المتحدة وانتهي في عام 2000 دليل ضلوع شركة التبغ البريطانية الأمريكية في التهريب الدولي للسجائر. وخلال تلك التحقيقات ركزت اللجنة المكلفة بإجراء هذه التحقيقات على تنامي الوعي الجماهيري بالتهريب، الأمر الذي أجبر المسئولين في صناعة التبغ على الإقرار علنا بمواقفهم ومقارنة ما أعلنوه بالدليل الذي تقدمه مستنداتهم الداخلية وهو معارض لما أعلنوه. ولقد أظهر هذا التحقيق واحداً من أهم أدوار التحقيقات العامة حينما استخدمت اللجنة المكلفة سلطتها في توجيه الإدعاء لإجبار الشركة على إخراج ما تحت يديها من مستندات جديدة هامة من ملفات وكالات الإعلان التابعة لها، مما قدم دليلاً جديدا على ما تقوم به صناعة التبغ من أنشطة إعلانية داخل المملكة المتحدة. إن العرض المباشر للجلسات البرلمانية على الجمهور قد أفاد بفاعلية في منع شركات صناعة التبغ من أن تستغل استغلالاً تاماً تكتيكات التعطيل والإنكار والتشويش وعرقلة سير الإجراءات، وهي الوسائل الدفاعية المعهودة عند الوقوف في ساحات القضاء، ولقد ساعدت إجراءات اللجنة وما تلاها من إصدار تقرير(78)، على توليد تأييد جدول أعمال تنظيمي جديد وضرورة الوصول إلى معلومات ذات قيمة ليستفيد منها التأييد الشعبي فيما بعد، ورفع الدعاوى بشأن التهريب والجدل الدائر عالميا بشأن الاتفاقية الإطارية حول مكافحة التبغ. ومن الجائز أن تكون إجراءات مماثلة بمثابة خيارات تجذب انتباه العديد من الدول، سواء قام بها لجان برلمانية أو تشريعية، أو لجان مستقلة تقوم بهذه التحقيقات ولها سلطة طلب مثول الشهود أمامها واستجوابهم ومثال ذلك اللجان التي ينص عليها قانون التحقيقات الكيني(79).
ليس من الضروري أن تنطوي التحقيقات العامة على إجراءات برلمانية أو جلسات سماع علنية لتحدث أثرها الجلل. ويضرب تقرير عام 2000 الصادر عن لجنة الخبراء التي شكلتها المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية بغرض فحص دليل تدخل صناعة التبغ في المبادرات الصحية التي تتخذها المنظمة(80) مثالاً مذهلاً على الأثر القوى الذي تحدثه التحقيقات العامة المعدة خصيصا لتجميع وتحليل الأدلة القائمة وذلك عن طريق إعداد تقرير ونشره مشفوعاً بتوصيات. ولا يخفى على أحد النتائج المفزعة التي توصل إليها تقرير اللجنة والأثر الذي أحدثته التوصيات التي تنادي بالإصلاح، ولقد عرض لها وقدمها للمشاركين في مشاورة عمان أنك مارتيني، وهو عضو من أعضاء لجنة الخبراء(81).
وهناك نمط آخر من أنماط التحقيقات أبرزه التقرير الإقليمي لتقصي الحقائق الذي أعده مكتب إقليم شرق المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية والذي وزع في مشاورة عمان، وكان مثار اهتمام المشاركين فيها. وهذا التقرير اسمه "صوت الحقيقة – المجلد الأول – أعمال شركات التبغ المتعددة الجنسيات في الشرق الأوسط – استعراض بالمستندات الداخلية للشركات (2001)"(82). ولقد سرد هذا التقرير بناءً على مستندات الشركات البالغ عددها خمسمائة، سرد قصص الحملات الخفية التي قامت بها شركات تصنيع التبغ لتقويض الحظر على إعلانات السجائر وغير ذلك من برامج الصحة العامة في إقليم شرق المتوسط، وعلى وجه الخصوص في دول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك لتقويض الأعمال التي تقوم بها منظمة الصحة العالمية في المنطقة. فلقد ورد في التقرير مستندات خاصة بشركات التبغ تدعي فيها تلقيها دعم سري من كبار الشخصيات والرموز السياسية البارزة في المنطقة، بالإضافة إلى دليل على مخططات الصناعة التي ترمي إلى "التحديد الحذر والدقيق لخصومنا" "والمعرفة الدقيقة ورصد وعزل ومكافحة الشخصيات والمؤسسات البارزة". إن هذا التقرير ما هو إلا قطر في مستهل فيض متتابع من الدراسات القطرية والإقليمية يبين أن التحقيقات العامة الناجحة يمكنها أن تأخذ شكل المراجعة والتحليل العلمي المدروس للأدلة الثابتة بمستندات.
إن التحقيقات العامة، أيا ما كان شكلها تحمل بين طياتها مزايا ومثالب، وأبرز تلك المثالب هو الخطر المتمثل في عجز التحقيقات عن أن تكشف المدى الكامل لأعمال صناعة التبغ، وأن يتولد لدى الجمهور انطباع زائف بأن صناعة التبغ قد أبرئت ساحاتها، الأمر الذي يجعل من المهم للغاية إعداد وإجراء التحقيقات العامة حتى لا تنتكس جهود مكافحة التبغ. يجب أن يتوافر للتحقيقات العامة – على وجه الخصوص – ما يلي:
•    العدد الكافي من العاملين والقدر الكافي من التمويل مع إتاحة الوقت الذي يمكن خلاله إجراء تحقيقات تفصيلية مع توخي الحذر والحيطة.
•    الاطلاع على مجموعة مفيدة من مستندات صناعة التبغ من الإقليم المعنى بالدراسة ومن ملفات كبريات شركات التبغ الناشطة في المنطقة.
•    القدرة على فرض إبراز المستندات الإضافية لمتابعة ما كشفت عنه المستندات الحالية.
•    أن يقوم بها مسئولون لديهم الإرادة المستقلة والقوة السياسية لدعم هذه التحقيقات لتصل إلى نتائج، حتى وإن تعرضت لضغوط سياسية بل حتى وإن تورطت شخصيات كبيرة في أعمال مشينة.
إلا أنه خلافاً لما ذكر، للتحقيقات العامة مزايا عديدة نتخير من بينها المزايا البارزة التالية:
•    إن التحقيقات العامة لا تستلزم توافر المصادر والالتزامات المالية التي يتطلبها التقاضي على نطاق على واسع، حيث يمكن أن تستهدف قضايا معينة، ويرتهن إجراؤها بمدة زمنية محددة. فبالنسبة للدول ذات الدخل المنخفض على وجه التحديد يمكن للتحقيقات العامة أن تكون البديل المناسب للتقاضي.
•    التحقيقات العامة تثير قضايا ملف التبغ وترفع من وعي العامة بها، الأمر الذي من شأنه تحديد جداول أعمال وضع السياسات.
•    إن التحقيقات الرسمية قد تكون أفضل الفرص للإجبار على إخراج مستندات إضافية تخص صناعة التبغ.
•    الأشخاص الذين يجرون التحقيقات القانونية والتشريعية تسبغ عليهم حصانة قانونية تدفع عنهم ما قد توجهه إليهم شركات تصنيع التبغ من تهديدات باللجوء إلى القضاء.
•    تساعد التحقيقات على أن تجعل مواقف الشركات معلنة ومطروحة ليراجعها الجمهور كاشفا بذلك عن عبثياتها، على نحو ما حدث في الشهادة التي أدلى بها المسؤولون التنفيذيون الأمريكيون في عام 1994.
•    في حالة ما إذا كانت وزارات الصحة والهيئات التشريعية تخضع لأحزاب سياسية مختلفة، يمكن للتحقيقات التي يجريها المشرعون أن تجبر المسؤولين في قطاع الصحة على أن يعملوا بشكل أكثر حسماً في ما يتعلق بقضايا التبغ، والعكس بالعكس.
•     وربما كان الأمر الأكثر أهمية بالنسبة للتحقيقات العامة هو قدرتها على استنباط وتحليل الأدلة الرئيسية على سلوك شركات تصنيع التبغ في البلد المعني، موفرة بذلك القاعدة الأساسية التي ينبني عليها التحليل الصحيح عند الأخذ بخيارات التقاضي في هذا البلد.
من المتعين أن تحظى التحقيقات العامة بحسن التخطيط والتنفيذ، إلا أن مزاياها تجعل منها أسلوبا يمكن اتباعه، إما كبديل للتقاضي أو كخطوة أولى نحو اعتبار الأخذ بخيار اللجوء إلى القضاء.
6.    الاختيارات والقرارات - عرض طبوغرافي للتقاضي
يمكن للتقاضي أن يتخذ أشكالاً عديدة، من المستحيل أن نُقيِّم مخاطر ومزايا اللجوء إلى التقاضي قبل أن نحدد ومنذ البدء نوع القضاء الذي نسعى إليه. إحدى طرائق بدء هذه العمليات هو طرح الأسئلة التي يثيرها الصحافيون بصورة تقليدية، وهذه الأسئلة هي "من وأين وماذا ولماذا وكيف؟"
من سيرفع الدعوى؟ وعلى من سيرفعها؟ وأين؟ ولم؟ وما هي طلبات الإنصاف المطلوبة؟ كيف يمول التقاضي؟ إن الإجابات المختلفة عن تلك الأسئلة تعرض مزايا وعيوب مختلفة أيضاً، فهذه الاختيارات مجتمعة هي التي تحدد احتمالات النجاح من عدمه في إطار نظام قانوني ما، وإليكم عرض للخيارات المتاحة كما اقترحها مسح مختصر لطبوغرافية مسرح التقاضي.
من الذي سيحرك الدعوى؟
•    المدعون من الأفراد أو مقدمو الالتماسات: يمكن لهؤلاء التقدم للقضاء مطالبين الأمر لهم بتعويض، إلا أن المدخنين من الأفراد قد لا يتاح لهم الأساس الكافي ليطالبوا بتعويضات تبرر المصروفات اللازمة للسير في دعوى التعويض. وفي نفس الوقت لا تنطوي الدعاوى الفردية إلا على مخاطر محددة فقط: الدعاوى الفردية التي لا يكتب لها النجاح بالنظر إلى عدم كفاية أدلة الاتهام أو إثبات الضرر لن تحول دون رفع آخرين قضايا مماثلة في وقت لاحق، بل أن الحكم القانوني برفض الدعوى لن يكون ملزماً للآخرين.
•    الدعاوى الفردية المجمعة: وذلك عن طريق الدعاوى الجماعية أو الدعاوى المرفوعة تمثيلاً أو ما شابه ذلك من دعاوى تضامنية، إن الدعاوى على هذا النحو تسمح باسترداد مبالغ كبيرة من الأموال تبرر تحمل المصروفات اللازمة لعرض القضية بشكل محكم. ولكن الدعاوى الجماعية تضيف مصاعب وتعقيدات من شأنها زيادة المخاطر ومنح فرص أوسع للمماطلة والتأخير، وقد تؤدي إلى المهادنة بشأن مصالح الأفراد الذين تضمهم الدعاوى الجماعية، والأهم من ذلك أن المخاطر التي تكتنفها القضايا الجماعية شديدة، فصدور أحكام برفض الدعوى الجماعية قد يحول دون قبول قضايا أخرى مماثلة.
•    الحكـومات: على المستوى القطري أو دون القطري، حيث قد تتوافر موارد أوسع قد تعين الحكومات على اللجوء إلى القضاء ولكن قد تكون عرضة أيضا لتغير الأهواء السياسية الأمر الذي من شأنه تعريض المساندة الموجهة للتقاضي للخطر.
•    الكيانات الخاصة: ومن أمثلتها شركات التأمين الصحي أو المستشفيات الخاصة حيث يمكن لهذه الهيئات أن تؤسس دعاويها على أساس موضوعي، إلا أن المحاكم قد تتردد في إقرار موقف تلك الكيانات أو في حقها في أن تثبت مصلحتها في إقامة الدعوى.
•    المنظمات غير الحكومية: يمكن أن تكون المنظمات غير الحكومية من الجهات التي يمكنها التقدم بالالتماسات، إلا أنه قد يقعدها قلة الموارد وقد تواجهها مشاكل فيما يتعلق باستمرارها في بعض الدعاوى.
من يكون مدعيا عليه؟
•    شركات التبغ: شركات التبغ منطقيا هي المدعى عليه الأساسي، وقد تختلف الأسماء المحددة لهذه الشركات بطبيعة الحال من سوق إلى أخرى. فالدعاوى التي ترفع ضد شركات التصنيع المتعددة الجنسيات تتطلب اتخاذ القرار بشأن هل سترفع الدعوى فقط ضد الشركات العاملة محلياً أو أن يكون هناك ملاحقة قانونية ممتدة في محاولة لإقامة المسؤولية المباشرة على الشركات الأم.
•    شركات التبغ التي تمتلكها الحكومات: هذا الأمر يمثل تحديات خاصة. فالحكومات وبرامج الصحة العامة التابعة لها قد تكون غير قادرة، أو غير راغبة في اتخاذ إجراء قانوني ضد الشركات التي تمتلكها الحكومات، والدعاوى القانونية التي ترفعها جهات خاصة ضدها قد تعارضها الحكومة، أو أن تشيح المحاكم بوجهها عنها. وعلى الجانب الآخر، فقد تشكل الالتزامات الدستورية للحكومات حيال حماية صحة المواطنين أساساً آخر يضاف إلى الأسس التي نبني عليها المطالبات القانونية ضد الشركات التي تمتلكها الحكومات.
•    بائعو التبغ: ويقع ضمن طائفة بائعي التبغ الموزعون وتجار التجزئة، وبالأخص أولئك الذين يبيعون منتجات التبغ بشكل غير قانوني للقاصرين، إلا أن مسألة العدد الكبير لبائعي التجزئة تكتنفها مشاكل فردية من حيث الإثبات وتقدير الضرر.
•    الحكومـات: يمكن رفع الدعوى على الحكومات باعتبارها مدعيا عليها إما باعتبارها صاحبة السيطرة على شركات التبغ التي تمتلكها الحكومات، أو بالنظر إلى عدم وفائها المؤكد بالتزاماتها الدولية. ومن الجائز أن تثير الدعاوى التي ترفع على الحكومات أيضاً مشاكل إضافية من حيث ما تتمتع به من حصانة السيادة، إلا أنه من غير المحتمل أن تعتمد الحكومات تكتيكات في التقاضي تماثل تلك التي تعتمدها شركات تصنيع التبغ، وفي المقابل فإنه من المستبعد في بعض البلاد أن تحكم المحاكم على الحكومة الوطنية.
•    أرباب الأعمال ومالكو المشروعات التجارية: يمكن أن يمثل هؤلاء ضمن المدعي عليهم في دعاوى يقيمها العاملون أو العملاء الذين أضيروا بتعرضهم للتدخين السلبي. ويمكن أن تتحدد دعاوى الموظفين ضد أرباب الأعمال بحدود استرداد التكاليف وفقا لنظام تعويض العاملين المعمول به، أو برامج تأمين مسئولية أرباب الأعمال. إلا أن دعاوى العملاء قد تنطوي على صعوبة إثبات رابطة السببية.
أين ترفع الدعاوى؟
•    في المحاكم داخل الدولة حيث يستهلك التبغ: من الواضح أن المكان الذي ترفع فيه دعوى التبغ هو الدولة التي يجري فيها تعاطي التبغ وحيث يقيم من يتعاطونه. فهنا يكون القضاة والقانونيون على أقصى قدر من الدراية بالظروف الداخلية، وأيضا حيث يوجد المسئولون المحليون، والضحايا والكثير من الشهود. وربما لا تكون القواعد والإجراءات القانونية الداخلية عوامل مناسبة لتحقيق النجاح، رغم ما قيل آنفا في شأن معرفة الظروف الداخلية. وربما كان من غير المقبول تماما الحصول على مبالغ مالية كبيرة واستخدام القضاء كأداة في المسائل ذات الصلة بالمجتمع والصحة. وثم مسألة أخرى وهي أن شركات تصنيع التبغ، ومستندات الصناعة، وبعض الشهود الخبراء الضروريين، ربما كانوا في أماكن أخرى بعيدة.
•    في محاكم الولايات المتحدة الأمريكية: لقد بدأ عدد من الدول الأعضاء في إقامة دعاوى في محاكم الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها موطن الكثير من شركات تصنيع التبغ، وباعتبارها أيضاً مسرح الأنشطة الأساسية بالنسبة لمؤامرة الخداع التي حاكتها شركات تصنيع التبغ العالمية(83). إلا أن هذه القضايا لم تلق قبولاً حسناً(84). فلقد قام محامون أمريكيون بإعداد العديد من هذه الدعاوى ممثلين للحكومات بشرط أن تكون أتعابهم نسبة من مبلغ التعويض المحكوم به، آملين أن تتكرر حالة المبالغ النقدية الكبيرة التي قد سبق أن حظيت بها قضايا ناجحة في الولايات المتحدة الأمريكية. إن اختيار محاكم الولايات المتحدة الأمريكية يسمح باستخدام طريقة أتعاب المحامين كنسبة من التعويض المحكوم به، تمكن من تجنب مبدأ "الخاسر يدفع"، كما أنها تمنح الفرصة للاستفادة من القواعد المتحررة التي تقضى بالإجبار على كشف مستندات قبل إجراء المحاكمة. ورجال القانون في الولايات المتحدة الأمريكية على علم بالمبالغ النقدية الكبيرة التي حكم بها كما أنهم أيضا قد تعرضوا لمناظرات شعبية، وتوعية الجماهير بشأن الدعاوى المرفوعة على شركات التبغ.
إن اللجوء إلى القضاء الأمريكي رغم مزاياه التي يمكن تحقيقها، لا يخلو من عيوب كامنة فيه، أولها: أن هذا الاتجاه يحط من قيمة التقاضي كأداة لتحقيق الصحة العامة. فالقضية المرفوعة في مكان بعيد عن البلد المعني بها لن تكون سانحة أمام ناظري شعب هذا البلد ومن ثم ستكون قدرتها على توعية شعب الدولة المدعية قليلة جداً وكذلك قدرتها على تشكيل الدعم والمساندة اللازمة لمكافحة التبغ. ثانيها: أن القضية التي تقام في الولايات المتحدة الأمريكية من المفترض ألا يكون معظم المشاركين فيها من المحامين والقضاة ورجال القانون على علم بأحوال البلد المعنية. ولنضرب لذلك مثالاً، فالقاضي الأمريكي لا يتوقع منه أن يكون مؤهلاً تأهيلاً جيداً لكي يسوغ حكماً بالتعويض يناسب أفضل مناسبة الاحتياجات الداخلية لبلد آخر. ثالثها: أن الشهود والضحايا سيكونون في مكان بعيد عن المحكمة. رابعها: وربما كان هذا هو أهمها، أن التقاضي على هذا البعد الشاسع من المحتمل أن يضعف سيطرة المسئولين في البلد، وهي المسؤولية التي يمكن لهم أن يمارسوها على التقاضي ضمن ما يقع في دائرة سيطرتهم وحيث يمكنهم ممارسة نفوذ غير عادي، وذلك إن لم يكن سيطرة محاميها الخصوصيين في أمريكا سيطرة كاملة. وأخيراً: فإن المحاكم الأمريكية قد لا تحسن استقبال مثل تلك الدعاوى بل قد تكون معادية لها وذلك إذا كانت الرابطة بين الأضرار المدعاة والولايات المتحدة الأمريكية غير ظاهرة. على سبيل المثال لا يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية سوى شركة فيليب موريس(85)، وقد يدور تساؤل لدى المحاكم الأمريكية عن سبب اختيار الولايات المتحدة الأمريكية لتكون منصة القضاء التي اختارتها دولة أخرى يدخن مواطنوها في الأساس سجائر تصنعها شركات في مكان آخر. وهذا يثير الخطر، حيث أن المحاكم الأمريكية قد ترفض دعاوى دولة ما بشكل قد يضعف قدرة تلك الدولة على الملاحقة القانونية في مكان آخر.
ما هي النظريات القانونية التي ينبغي البناء عليها؟
ما هي الأسس القانونية التي تنبني عليها القضية؟ وما هي النظريات والدعاوى والأسباب التي يجب التأكيد عليها في الدعوى؟ ربما كانت الإجابة عن هذين السؤالين هي أصعب تحدي يواجه وضع الإطار الذي تسير فيه قضايا التبغ. إن النجاح يستلزم أكثر من مجرد المعرفة الوثيقة بالقانون المحلي، فهو يتطلب انتهاج أسلوب إستراتيجي ومنظم أبعد من ذاك الذي يتطلبه التقاضي في المسائل العادية، كما يتطلب أيضاً الجمع بين التقييم الواضح للمسائل الموضوعية للدعاوى المحتملة وإعمال الخيال لتوقع كل رد فعل ممكن من جانب الصناعة. وتعتمد جوانب القوة في مختلف أسباب إقامة الدعوى على المنظومة القانونية التي تقام هذه الدعوى في ظلها. فالنظريات التي نجحت في أمريكا أو في غيرها من البلاد لا يمكن تصديرها كما هي إلى بلاد أخرى، ولابد بدلاً من ذلك من أن ينظر المحامون في أنماط التقاضي التي سبق لها وأن حققت أكبر نجاح في مواطنها ثم صياغة القضية بشكل يتناسب مع التقاليد القانونية المحلية.
وفي نفس الوقت فإن التقاضي الناجح ضد التبغ ليس صورة مكررة لما سبق عمله من قبل. فلقد كان النجاح المذهل الذي حققه التقاضي بشأن التبغ على مدى العقود الخمس الماضية نتاج جهد المنافحين عنه الذين أعملوا فكرهم وفكروا في كل ما لا يخطر على بال أحد. وابتداء من حكم القاضي لصالح المضرور من التدخين السلبي في استراليا، وحتى بزوغ فكرة الدعاوى الأولى التي أقامتها الحكومات في الولايات المتحدة الأمريكية وتشكيل أول مجلس قضائي ينظر في التماسات المسائل المتعلقة بالتبغ في الهند، كانت هذه الإنجازات التاريخية محصلة جهد من صاغوا المشكلة في قوالب جديدة مرتادين بذلك شعابا قانونية جديدة لم يسبق أن وطئتها أقدام غيرهم من قبل.
إذن، فإن أكثر القضايا التي يرجى نفعها وينتظر نجاحها هي تلك القضايا التي لم تدر بعد في مخيلة أحد. وربما تجد هذه القضايا من الإنجازات الهائلة التي حققها التقاضي من منطلق المصلحة العامة في الهند أساسا لها. وربما يتشكل التقاضي الذي بني ولأول مرة على أحكام الشريعة الإسلامية، وربما يكون منطلق هذه القضايا حقوق الإنسان الدولية وحقوق الطفل، وربما تقوم هذه القضايا عند فحص سلوك كبار المسئولين في شركات التبغ تحت مجهر القانون الجنائي.
تتضمن المجالات التي يكون من الواجب النظر فيها طبقاً للمعايير والإجراءات القانونية المعمول بها، وبالنظر إلى السوابق بشأن نطاق الاختصاص، تتضمن ما يلي:
•    دعاوى الإضرار، أو دعاوى إلحاق الضرر المدنية، وتشمل ما يلي:
-     الإهمال، مثل عدم التحذير أو الإهمال في تصميم المنتج.
-     تعمد إساءة العرض أو الغش.
-     المسئولية عن المنتج أو عدم المسئولية عن الخطأ.
-     التحمل بالتزام خاص.
-     التآمر، في حالة ما إذا كان مقراً به كسبب مستقل للدعوى.
-     الإزعاج.
•    الدعاوى التعاقدية: ويشمل ذلك الضمانات الصريحة والضمنية.
•    الدعاوى طبقا لمبادئ العدالة والإنصاف: ويشمل ذلك الإثراء بلا سبب، وإعادة الحال إلى ما كانت عليه.
•    الدعاوى اللائحية: على النحو الذي تقرره قوانين توزيع الاختصاص، وقد تجد هذه الدعاوى أساسها فيما يلي:
-    قوانين حماية المستهلك وقوانين مكافحة الإعلام المضلل.
-    قوانين المنافسة غير المشروعة والقوانين التي تمنع تقييد التجارة.
-    قوانين مكافحة التهريب.
-    قوانين مكافحة التواطئ التجاري أو القوانين التي تشبه قانون مكافحة فساد المؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية.
-    القوانين التي تحظر الإعلان عن التبغ أو بيعه للشباب.
-    قوانين مكافحة التدخين في المناطق العامة أو تلوث الهواء.
•    الدعاوى الدستورية: وهي الدعاوى التي تجد أساسها في الالتزامات الحكومية نحو حماية حق المواطنين في الحياة أو الصحة أو الأمان أو البيئة النظيفة.
•    المسئولية الجنائية: وذلك وفقاً للقوانين العامة التي تمنع تعريض حياة الناس للخطر بالإهمال المتعمد أو غير المتعمد، أو القوانين التي تحظر حلف اليمين الكاذب، أو تقديم إقرارات زائفة بعد حلف اليمين، أو قوانين التهريب، أو القوانين التي تحظر غش أو تلويث المنتجات المخصصة للاستهلاك البشري.
•    المسئولية المبنية على الالتزامات الدولية(86): ومن أمثلتها ميثاق الأمم المتحدة، أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو ميثاق منظمة الصحة العالمية، أو ميثاق الأمم المتحدة بشأن حقوق الطفل(87)، أو الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ التي ستظهر في المستقبل.
ما هي الطلبات التي يسعى المتقاضي إلى أن تجيبه المحكمة إليها؟
إن أنماط الطلبات المتاحة نظرياً في التقاضي بسبب التبغ محدودة فقط بحدود شجاعة القضاة وقدرتهم على الابتكار. تعتمد الطلبات الأكثر ملاءمة على التقاليد المرعية داخل النظام القانوني المعني، وكذلك على مدى قوة الدليل الذي تستند إليه الدعوى، والرابطة السببية بين القضية التي يقدمها المدعي والطلب المقدم إلى المحكمة لتجيبه. تتطلب صياغة الطلبات إلى تفكير استراتيجي، فعلى سبيل المثال قد يرى القاضي أن طلب مبلغ كبير أمر مبالغ فيه أو غير متناسب مع حجم وقوة الدليل قد يؤدي إلى إضعاف ما قد يراه القاضي من حق يدعم به موقف المدعي الذي يطالب بالتعويض من المدعى عليه. وكذلك إن كان الطلب هو الحصول على مبلغ كبير من قبيل التعويض العقابي فقد يؤدي هذا إلى ولوج طريق الاستئناف من كلا الجانبين، وهو أمر يطول مداه زمنيا وقد ينتهي به الأمر في النهاية إلى الرفض، بل أن بعض القضاة قد يحجمون عن الحكم بمبالغ كبيرة من قبيل الأحكام الزجرية لئلا يكون في ذلك إرساء لسياسة عامة.
وعلى الرغم من الاهتمام الكبير الذي حظيت به الأحكام التي قضت بدفع مبالغ نقدية كبيرة في بعض القضايا، إلا أن أهم أنماط الطلبات التي تسعى إلى تدعيم مكافحة التبغ والصحة العامة طلبات غير نقدية. إن الفهم الواقعي للتقاضي بشأن التبغ على مدى العقود الخمس الماضية والنظر إلى تعاطى التبغ كمشكلة عالمية تهدد الصحة، كلاهما يوحيان بأن القرارات المتخذة بصدد التقاضي بشأن التبغ والطلبات التي سعى المدعون إلى أن تجيبهم المحاكم إليها يجب أن تصدر عن مقدمة ليست هي انتظار الحصول على مبالغ مالية كبيرة ولكن أن يكون منطلقها دعم الصحة العامة بشكل ذي معنى. تتضمن الأنماط الكبرى والأنماط الأساسية للطلبات المتاحة ما يلي:
•    الإفراج عن مستندات صناعة التبغ: لقد كان الإسهام الكبير الفريد من نوعه الذي قدمه التقاضي بشأن التبغ نحو تحقيق هدف مكافحة التبغ بكل جوانبه هو الإفراج عن مستندات صناعة التبغ التي ظلت لزمن طويل سرية. إلا أن المستندات المتاحة اليوم خرجت من ملفات عدد قليل فقط من الشركات، أما الدليل على سلوك شركات التبغ العالمية الكبيرة الأخرى ومئات الشركات التابعة لشركة فيليب مورس والشركة البريطانية الأمريكية المنتشرة في كل أرجاء العالم لا تزال مخبوءة، كما هي أيضاً حال مستندات الاتحادات التجارية وغيرها من الجهات التابعة في كل أرجاء العالم. إن الحصول على هذه المستندات وتداولها فيما بين هيئات الصحة في كافة أنحاء العالم يتعين أن يكون الأولوية القصوى التي ينادي بها المتقاضون بشأن التبغ.
•    طلب صدور إعلان عن المحكمة: الطلب إلى المحكمة أن تصدر قراراً قضائياً رسمياً بأن المدعى عليهم مسئولون عن التسبب في وقوع أو ارتكاب سلوك غير قانوني. إن إعلانا كهذا يمكن أن يكون عاملاً حافزاً مباشراً لإحداث تغيير في السياسة، كما يمكنه أيضاً أن يوفر الأساس القانوني للقضايا المرفوعة من الأفراد، وقد يؤدي أيضاً إلى جعل لجوء الأفراد إلى القضاء بشأن التبغ أمراً مجدياً اقتصادياً.
•    طلب إصدار أمر زجري: يلزم المدعى عليهم بالقيام بعمل معين أو الامتناع عن إتيان تصرف معين، الأمر الذي يفسح المجال أمام ابتكار حلول واتخاذ تدابير قضائية جديدة. ويشمل طلب إصدار الأوامر الزجرية على سبيل المثال ما يلي:
-    الأمر بعدم إتيان أي سلوك غير قانوني مستقبلاً على وجه العموم.
-    القيود على التعبئة، أو الإعلان، أو التسويق، أو رعاية المسابقات، أو أساليب البيع.
-    التغيير في تصميم أو تكوين السجائر وغيرها من منتجات التبغ.
-    الإفصاح للجمهور، ووضع ملصقات أو بيانات التحذير، لاسيما حملات التوعية التصحيحية الموجهة نحو الجمهور.
-    إيقاف برامج الصناعة، أو الأمر بحل اتحاداتها التجارية.
-    فرض القيود على التدخين في المناطق العامة.
-    وضع برامج للمساعدة على الإقلاع عن التدخين.
-    الأوامر التي تطلب إلى الحكومات وضع برامج لمكافحة التبغ وتنفيذها.
•    طلب الحكم وفقاً لمقتضيات العدالة والإنصاف: يمكن أن يتضمن هذا الطلب التوصل إلى حلول مبتكرة تصوغها المحكمة لاسترجاع ما غاب من عدالة وجبر الضرر الذي تسبب في إحداثه المدعى عليهم. وقد يكون هذا الحل مالياً كما هي الحال في إعادة الوضع إلى ما كان عليه، أو الإجبار على رد أرباح لم تحقق من طريق مشروع، وقد يتضمن أيضا إبطال أو إعادة إنشاء عقود شركات التبغ، أو إلزام صناعة التبغ بتوفير الرقابة الطبية أو إجراء الاختبارات.
•    التعويضات النقدية: تحقق التعويضات النقدية أغراضا عدة، فقد تتضمن تعويضات عن الضرر، أو التعويضات العقابية، أو غرامات، أو عقوبات مدنية، أو تغطية أتعاب المحامين المفوضين بحكم القانون، وكذلك المبالغ التي تدفع كتعويض من قبيل العدالة والإنصاف. تستعيد حالات الاسترداد النقدية – كما هي حال التعويضات عن الضرر – الخسائر المالية التي لحقت بالمضرورين من الأفراد، أو استرداد الحكومات أو غيرها من تكاليف الرعاية الطبية. فإذا ما كانت مثل تلك المبالغ كبيرة الحجم، فيمكن معاقبة المدعى عليهم بسبب ما أتوه من أفعال، وتقديم حوافز لتحسين السلوك، والردع ضد الاستمرار في ارتكاب الأخطاء. وتكرر مرة أخرى إذا ما كانت تلك المبالغ ضخمة، فيمكن فرض زيادات في أسعار منتجات التبغ، الأمر الذي يخفض معدل تحول الشباب إلى مدخنين، ويشجع المدخنين على الإقلاع عن التدخين، ويدفع من يستمرون في التدخين إلى الإقلال من قدر تعاطيه. ويتوقف الأمر على الإطار القانوني والدستوري من حيث توافر الفرص لتوجيه المبالغ الكبيرة المستردة نحو مواصلة جهود مكافحة التبغ.
كيف يتم تمويل التقاضي بشأن التبغ؟
إن معظم قضايا التبغ يغلب أن تكون مكلفة للغاية، وذلك على الرغم من الأساليب المبتكرة، ومن أمثلتها النجاحات التي تحققت في الهند، والتي من شأنها لفت الانتباه إلى وسائل لتقليل النفقات. فلقد أتقنت شركات التبغ فن رفع تكاليف اللجوء إلى القضاء، ولم تبد تلك الشركات أي بادرة تنم عن تغييرها لمسلكها هذا. ومن المستحيل تمام الاستحالة مقابلة الموارد المالية التي تنفقها هذه الشركات للدفاع عن نفسها أمام القضاء(88). بل سيكون الأمر خطيراً في حالة شن هجوم واسع عليها دون أن يكون للمهاجم طريق يتوصل عبره إلى أموال وموارد كبيرة. ومن ثم أصبح من الضروري – بل والضروري جداً – أن تتضمن أي خطة للجوء للقضاء باعتباره أداة من أدوات تحقيق الصحة العامة الوسائل إلى تكفل تمويل تلك الجهود.
    معظم القضايا التي رفعت حتى الآن بصدد التبغ تتبع نظام تحديد أتعاب المحامين كنسبة من المبلغ المحكوم به، وهذا أسلوب له مزاياه وعيوبه أيضا. فهذا الأسلوب يحفز المحامين الخصوصيين على العمل متوسلين بأموال خاصة، ويقبلون هذه القضايا ويتحملون تكلفة الإعداد والتحضير لها مقابل نسبة مئوية من المبلغ الذي سيحكم به في نهاية الأمر. إن هذا الأسلوب بمثابة مجاز ينفذ منه الأفـراد والمؤسسـات والحكومـات التي لها مطالبـات صحيحة قانونياً والتي لا تستطيع – إلا عبر هذا المدخل – الوصول إلى العدالة نظراً لما يقعدها عن ذلك من التكاليف الباهظة لإجراءات التقاضي. إلا أن اعتماد هذا الأسلوب، وهو تحديد أتعاب المحاماة كنسبة من المبلغ المحكوم به، باعتماده على ما يوفره المحامون من موارد قد يعطي هؤلاء المحامين الذين تختلف أولوياتهم في بعض الأحيان عن أولويات المسئولين في مجال الصحة – قدراً من السيطرة غير متوازن على عملية التقاضي، وينحرف بأولويات اللجوء للقضاء نحو استهداف الحصول على أحكام باسترداد مبالغ كبيرة بدلا من أن يكون الاهتمام بالقضايا الصحية_(89) هو الدافع نحو هذا اللجوء للتقاضي. وهذا ما يملى على أي دولة تنظر في شأن سلوك هذا المسلك أن تتوخى جانب الحذر الشديد عند اختيار المحامين المشهود لهم بالتقيد بمقتضيات الصحة العامة، ولهم سجل ثابت في كسب العديد من القضايا.
تحول القواعد القانونية والإجرائية في الكثير من الدول دون استخدام أسلوب تحديد أتعاب المحامين كنسبة من المبلغ المحكومة به. ففي كثير من الأقضية يجتمع عدم الإقرار بأسلوب نسبة الأتعاب مع قاعدة "الخاسر يدفع" ويقترن ذلك بحظر الدعاوى الجماعية، ليكون بذلك عقبة كئود في طريق التقاضي الخاص، وهذه القيود قد نجم عنها بالفعل تخلي محامين مهرة عن قضايا واعدة بالنجاح في أستراليا والمملكة المتحدة، وقد يكون لذلك أيضا آثار مماثلة في بلدان أخرى. ففي حالة وجود مثل تلك القيود، يتعين قبل اللجوء إلى التقاضي على نطاق واسع أن يكون هناك التزام جاد بتوفير أموال عامة مقدمة تحت حساب الدعاوى.
7.    التقاضي: الدروس المستفادة
إن القيمة الكامنة في نجاح مثل تلك الدعاوى أمر لا تخطئه العين(90). فلقد أثبتت الدعاوى التي كتب لها النجاح أنها قادرة على تشكيل الرأي وتركيز المناظرات على الانتشار الحقيقي لوباء التدخين، وعلى هتك ستر شركات التبغ ومسئوليها. ويمكن بكشف شركات التبغ وكيفية عملها على تقويضها لمبادرات الصحة العامة والتحالف الخفي فيما بينها، يمكن المساعدة على استعادة النزاهة لعملية صنع السياسات. كما يمكن للتقاضي، إن أحسن استخدامه، الإجبار على إحداث تغييرات في سلوك شركات التبغ أو إجبار الحكومات على أن تتحرك، فقد يؤدي ذلك في بعض الحالات إلى توليد إيرادات يمكن بها تعويض الضحايا أو دعم أعمال مكافحة التبغ.
إن دولاً عديدة، عرفت بما لها من القوة الكامنة في التقاضي، حريصة على تفهم هذه الأداة الجديدة الهامة. ولقد كانت الرغبة هذه في الفهم واضحة جلياً في مشاورة عمان حيث سعى المشاركون إلى استنباط الدروس المستفادة من اللجوء إلى مختلف الأقضية التي تنبنى على تقاليد قانونية وثقافية مختلفة. وعلى الرغم من أن عملية عولمة التقاضي تتطلب وقتا ودراسة متأنية، إلا أن ثمة دروس أساسية واضحة.
لقد كان أول ما شد أنظار العالم، أكثر من أي شئ آخر، الحجم الهائل من المبالغ التي حكم فيها في عدد قليل من القضايا في الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك الحجم الذي يكاد العقل ألا يتصوره. فالأمر الغالب أن ذكر تسوية ما بمبلغ بليون دولار أو نحوه أمر له وقع السحر على من يسمعه ويؤثر على العقل الهادئ الرزين ويذهله عن إدراك ما يكتنفه التقاضي من خطر حقيقي وتكاليف باهظة. وربما شجع المحامون في بعض الحالات، يحدوهم الأمل في ضم حكومات الدول إلى قائمة عملائهم، على ظهور العقلية المصابة بما يطلق عليه اسم "حمى الذهب"، التي طمست عيون الفهم الحقيقي لما يكتنفه الأمر من مصاعب.
القضاء ليس الدواء لكل داء، وهو أمر ليس متاحاً في جميع الحالات. ففي العديد من البلاد قد يكون اللجوء إلى القضاء أمراً غير مناسب أو محكوماً عليه بالفشل. وفي بلاد أخرى قد يكون من اللازم أن يتخذ أنماطاً قد تختلف اختلافا بينا عن القضايا في الماضي. إن النطاق الواسع غير المسبوق والمصروفات والأسلوب الأمريكي اللامتناهي لقضايا استرداد تكاليف الرعاية الصحية والقضايا الجماعية أمر يعجز الخيال عن إدراكه، وهذه الأمور لا بد لك من أن تجربها لتستطيع تقديرها حق قدرها. وتظل الأداة التي لم تستخدمها أمهر الأيدي بعد لتستفيد من كل إمكاناتها، هذه الأداة تظل كما قال أحد أبرز الدارسين، "حليفاً لا يمكنك التكهن بخطواته على طريق مكافحة التبغ"(91).
وثمة شيء آخر وهو أن الأسلوب الأمريكي في التقاضي لا يمكن استيراده ليطبق جاهزا على حاله في أنظمة وثقافات قانونية مغايرة. إن الأساليب التي لم تأخذ حق قدرها من الإعداد والتي توضع لتناسب كل الحالات والأحوال تكتنفها أخطار انتكاسة جهود مكافحة التبغ في كل أرجاء العالم. والأجدى من ذلك والأوفق أن تصاغ القضايا وتكيف لتناسب الإطار العام المتميز قانونياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً لكل دولة على حده. وكما لاحظ المسئولون في منظمة الصحة العالمية بشأن استخدام القانون لتعزيز الصحة العامة جاء قولهم "إنه أمر لا يخلو من قيد عليه. فالسياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدول أمور لا بد وأن تؤخذ في الاعتبار.... كما ينبغي إيلاء القدر الكافي من الاهتمام للفروق الإقليمية والثقافية الهامة التي توليها مختلف الدول للقانون بوصفه أحد عناصر الصحة العامة. إن مبدأ "حكم القانون" يختلف باختلاف المواريث الفلسفية والثقافية"(92).
إن ما نحتاجه هو الرؤية الاستراتيجية. إن تسخير قوة التقاضي وطاقته في عالم تتباين فيه وتتعدد النظم القانونية يتطلب نضجاً، ونظاماً، وفكراً واعياً حريصاً. فالتقاضي ليس لضعيف القلب الذي يملأ الخوف قلبه ولكنه ليس أيضاً للمهمل المتلاف. وقضايا التبغ لا تنجح بفعل الصخب وكثرة الكلام ولكن بفعل الخبراء المتقنين لعملهم.
لا يدعون هذا على القعود عن العمل، فالدول الأعضاء تتطلع للحركة، والحركة أمر مطلوب، بيد أن الحركة يجب أن تكون إلى الأمام والتحرك إلى الأمام يستلزم فهماً وإدراكاً من ذهن صاف للمخاطر، وقدرة على تمييز الفرص، ويستلزم أيضاً توافر المهارة والشجاعة والموارد لاقتناصها، على أن يكون كل ذلك ممزوجاً بولاء صلب صلابة الصخر للعمل والتحرك .
إن هذا يتطلب قدرات، قدرات غير موجودة اليوم، فكيف لنا أن نوجدها؟ إن التقاضي الناجح – وهذا ما أكدته مشاورة عمان - يستلزم عناصر جوهرية، وأن الدعم والمساندة لإيجاد هذه العناصر تحت إشراف آلية ما للتنسيق، مسألة أساسية لتحقيق التقدم الشامل.
إن التقاضي بشأن التبغ مشروع متعدد الزوايا والنظم ويتطلب منظومة متميزة من المهارات والخبرات التي لا تتوافر في غالبية الدول، وغالبية الدول تحتاج، لكي تقيم ما يتاح لها من خيارات، إلى أن تقتبس من فكر وبصيرة مجموعة من الخبراء الذين اجتمعت لهم – مجتمعين – المعرفة المتخصصة في التقاضي الناجح بشأن التبغ، والنظام القانوني والسياسي والمحلي، والقانون الدولي، واستخدام مستندات صناعة التبغ، والعلم بما تقوم به شركات تصنيع التبغ من أعمال، بالإضافة إلى الدليل الطبي والاقتصادي اللازم لإثبات دعوى ما. ولا يوجد اليوم مثل هذا الجمع متنوع الاختصاصات من الخبراء، والدول الأعضاء ستكون بحاجة إلى مساعدة منظمة الصحة العالمية أو غيرها من الهيئات المماثلة لإيجاد مثل تلك الموارد المطلوبة.
ثم إن إيجاد الخيارات والبدائل يتعين أن يكون عملا تعاونياً. وهناك حاجة ملحة لقيام منتدى مركزي يجتمع فيه أولئك الذين ينظرون في هذه المسائل تشجيعاً لهم على تبادل الآراء والأفكار وتكوين التحالفات.
وهناك أيضا حاجة إلى الدعم الفني في استخدام الأدوات التي يمكن لها أن تكون بمثابة وحدات البناء لنجاح التقاضي، وهي مستندات صناعة التبغ والتحقيقات العامة. وهنا تتراوح المساعدات ما بين المساعدة البسيطة في استعادة مستندات بعينها إلى المساعدة في إعداد دراسات مستفيضة للمستندات ذات الأهمية على المستوى الإقليمي، أو في إجراء تحقيقات برلمانية يشاهدها الكثيرون. إن استخدام المستندات والتحقيقات العامة والتقاضي، كل هذا هام في مجاله، إلا أن كل منها لا يقف منعزلا عن غيره، فكلها عناصر متعاضدة وإذا أحسن استخدام أي منها انعكس أثر ذلك على دعم ومساعدة الباقين. وفي هذا المجال أيضا تحتاج الدول الأعضاء إلى المساعدة والدعم في استخدام هذه الآليات للاستفادة منها أقصى استفادة ممكنة.
وأخيراً هناك إحساس عميق بين المشاركين في مشاورة عمان، بإن الطبيعة العالمية لما تقوم به شركات تصنيع التبغ من أعمال(93) تتطلب، وهذا هو الطموح الكبير، رد فعل عالمي أيضاً. ولقد جاءت الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ لتعزز أسلوباً عالمياً موحداً لهذه المكافحة، وكان إحساس المشاركين في مشاورة عمان أن ما ترتكبه صناعة التبغ من أخطاء يستلزم وضع أنماط جديدة لحسم النزاعات الدولية متعددة الأطراف عبر الحدود، وهو ما أطلق عليه أحد المشاركين "هيكل جديد للتقاضي العالمي"(94). ومن الناحية النظرية فإن التقاضي المصوغ في إطار عالمي من شأنه أن يجمع أطراف الصورة بكاملها فيما يتعلق بسلوك شركات التبغ، وهذه الصورة المجمعة تقابل ظاهرة التشظي التي من المحتمل أن تكون عليه الحال عند مقاضاة شركات التبغ داخل كل دولة على حده. والأهم من ذلك أيضاً أن سلوك نهج دولي يمكن من تجميع الموارد وضمان أن ما يتمخض عنه التقاضي من نتائج يتوافق مع المعاملة العادلة لكل الدول، غنيها وفقيرها على حد سواء.
من الواضح تماماً أن إيجاد آلية على هذا النحو يكتنفه الكثير من التحديات الصعبة. فلقد كان من المقترح فيما مضى أن المقاضاة الدولية، التي تشمل على سبيل المثال قضايا الحرير الصخري والرصاص والزئبق وقضايا مبيعات المستحضرات الصيدلية، مثل تلك القضايا قد تنطوي على دروس تفيد بشأن ما يمكن انتهاجه من أساليب مستقبلاً. ولقد اقترح مشاركون آخرون إنشاء مؤسسات دولية جديدة تبدأ من إقامة محكمة جديدة تكون بمثابة توسيع لنطاق اختصاص محكمة العدل الدولية، أو المحكمة الجنائية الدولية المقترحة. إن إيجاد مؤسسات كتلك أو غيرها من النماذج الدولية يتطلب دراسة متأنية ومشاورات بين الدول الأعضاء ودائرة متسعة تضم الخبراء والمؤسسات، وهذا هدف شديد الأهمية وأهل للسعي نحو تحقيقه.
8.    خطوات إلى الأمام
إن العناصر الضرورية لتحقيق التقدم واضحة جلية رغم تعقد القضايا وما يحف بها من مخاطر. ولقد كان هناك إجماع عام بين المشاركين في مشاورة عمان على أن المسيرة التي بدأت لا بد من أن تستمر، والأهم من مجرد الاستمرار هو أن تنبني على أسس مؤسسية. إننا لا تعوزنا إرادة التقدم إلى الأمام بيد أن ما يقعدنا عن ذلك هو غياب الخبرات والموارد اللازمة لكي نبدأ. ومن المتعين أن نمد نطاق الحوار الدولي، ونعمقه، وأن نوجد موارد الدعم والمساندة إذا ما كان لنا أن نثير حماس الكثير من الدول الأعضاء نحو اتخاذ خطوات ما في هذا الصدد.
إن هذه المسيرة تتطلب إنشاء آلية دولية مركزية وهذا ما اتفق عليه المشاركون في مشاورة عمان. وهذه الآلية – يفضل أن تكون في إطار منظمة الصحة العالمية – ينبغي أن تكون بمثابة بؤرة عولمة التقاضي بشأن التبغ والتحقيقات العامة. إن هذه النقطة المحورية، بمساعدتها للدول الأعضاء على التغلب على العوائق الفنية، يمكنها أن تعزز بنجاح الموارد والإجراءات اللازمة في كثير من الدول.
ومن ثم فإن الحاجة الملحة هي لتعيين الموارد التي تمكن من خلق هذه الوحدة أو تلك المؤسسة أو الآلية التي ستقوم بدورها بخلق الموارد ومد يد المساعدة للدول الأعضاء. وهذه الوحدة ستيسر استمرار المشاورات ولفت الانتباه لهذه القضايا كما ستساعد في إقامة الروابط وتشجيع التحالفات فيما بين الدول الأعضاء والمنظمات غير الحكومية والخبراء الأكاديميين وغير ذلك من مراكز الخبرة. إن هذه الوحدة ستمد يد العون للدول الأعضاء وذلك عن طريق تقديم أو تنسيق تقديم الدعم الفني في مجالات بعينها تكون شديدة الأهمية من حيث الاستخدام الفعال لمستندات صناعة التبغ والتحقيقات العامة والتقاضي.


استخدام المستندات
يمكن للوحدة المركزية أن تساعد الدول الأعضاء في ما يلي:
•    تشجيع وتحسين اطلاع الجمهور على المستندات المتاحة حاليا.
•    تشجيع ودعم الجهود الرامية نحو الحصول على أمر بإخراج المزيد من المستندات.
•     الحصول على المستندات ذات الصلة وترجمتها سواء ترجمة تحريرية أو شفوية.
•    إجراء مشروعات بحثية وإعداد التقارير ونشر النتائج وتوزيعها.
•    تجميع ونشر المصادر الثانوية الخاصة بمستندات صناعة التبغ، لا سيما تقارير التحقيقات والمقالات العلمية وغير ذلك من تحليلات المستندات.
•    الاضطلاع مباشرة بالأعمال البحثية وإعداد التقارير حول مستندات بعينها تركز على دول أو أقاليم محددة، وعلى وجه الخصوص القضايا التي تهم المصالح العامة (على سبيل المثال أعمال التهريب أو أعمال الأجهزة العالمية لشركات تصنيع التبغ).
•    عقد برامج التدريب وغيره من أشكال المساندة بغية خلق القدرات العالمية لإجراء البحوث على المستندات.
التحقيقات العامة
هناك حاجة للمساعدة في ما يلي:
•    جمع ونشر تقارير أو نتائج التحقيقات العامة سواء أقامت بها منظمة الصحة العالمية أم أي من الدول الأعضاء أم هيئات مستقلة أم كتاب منفردين.
•    تصميم وإعداد وإجراء التحقيقات العامة.
•    تنسيق المشاورات الدولية بهدف تشجيع الاستخدام الإستراتيجي والمستهدف للتحقيقات على المستوى القطري من أجل دعم مكافحة التبغ على المستوى العالمي.
•    تنسيق الاستخدام الفعال للتحقيقات العامة بهدف التمكن من الإطلاع على مستندات صناعة التبغ وإرساء أساس أدلة الإثبات اللازمة لتوسيع نطاق خيارات اللجوء للقضاء.
التقاضي
ينطوي التقاضي على أكثر العقبات الفنية تعقيدا نحو اتخاذ أي إجراء، ومن ثم فهناك حاجة إلى ما يلي:
•    رصد وتقديم التقارير حول التطورات الهامة التي تحرز في أعمال التقاضي السارية حاليا في كل أنحاء العالم.
•    تكوين نواة أو شبكة عمل تضم الخبراء القانونيين ذوى المعرفة المتخصصة والخبرة في مجال التقاضي بشان التبغ ومختلف الأنظمة القانونية والقانون الدولي.
•    تيسير التفاعل بين الخبراء في هذا المجال وفي غيره من المجالات لضم خبراتهم واستخدامها في حالات معينة في الدول الأعضاء.
•    إبراز ونشر الدروس المستفادة من حالات التقاضي الناجحة مع التركيز تركيزاً خاصاً على النجاحات التي أحرزتها الدول النامية، مثل ما حدث مؤخراً في الهند بشأن التقاضي استنادا إلى الحق في الالتماس.
•    تشجيع التبادل الدولي فيما بين الخبراء والمسئولين.
•    التكليف بإجراء بحوث قانونية على قضايا تحظى باهتمام دولي واسع (على سبيل المثال القضايا الخاصة بالمحاكم القائمة على أساس من الشريعة الإسلامية، أو الفرص المتاحة على مستوى العالم للتقاضي استنادا إلى الحق في الالتماس بشأن المصالح العامة، أو القضايا التي تنطوي عليها الدعاوى التأكيدية في ظل الالتزامات القانونية الدولية).
•    مساعدة كل من الدول الأعضاء في دراسة وتقييم المتاح لها من خيارات قانونية.
•    مساعدة الدول الأعضاء على تحديد وحشد الموارد اللازمة للتقاضي.
•    تشجيع القرارات الاستراتيجية بمواصلة القضايا التي تبشر بالنجاح، وفي نفس الوقت تجنب ما يغلب عليه احتمال الفشل أو ما يؤدي إلى انتكاسة فيما تحقق من تقدم عالمي.
•    توفير الدعم المباشر والتضامن مع الدول التي سلكت طريق التقاضي.
•    استكشاف نماذج تدويل التقاضي بشأن التبغ سواء أكان ذلك عن طريق التقاضي العابر للقارات الماثل أمام المحاكم حاليا أو عن طريق خلق أنماط جديدة من التقاضي أو إنشاء المؤسسات الدولية الجديدة. إن هذه العملية قد تتضمن إمعان النظر في دروس القضايا التي نجحت على مستوى العالم في ظل نظم وأطر أخرى، بالإضافة إلى إبراز فرص توسيع نطاق عمل المؤسسات القانونية على مستوى العالم ورعاية المشاورات الدولية بهدف تعزيز فرص انتهاج أسلوب عالمي مجمع.
إن المساندة والدعم في هذه المجالات سيوفر عاملاً حفازاً قوياً يساعد على إحراز تقدم على مستوى العالم، وهذا ما اتفق عليه المشاركون. حقيقة أن غياب هذا الدعم اليوم يؤدي إلى خطر إقامة دعاوى على أساس من الفهم الخاطئ، أو سوء الإعداد، وذلك بالنظر إلى عوز المعلومات الضرورية والخبرة لدى بعض الدول (التي ربما يشجعها على الإقدام على ذلك محامون يعدونها بتدفق الأموال عليهم)، الأمر الذي لا يلحق الضرر بحقوقهم القانونية فحسب بل قد يؤدي أيضا إلى تقويض المركز القانوني في دول أخرى، وهذا هو ما يجعل الحاجة إلى المساعدة حاجة ملحة.

9.    الخلاصة
لقد اعتاد العالم على أن ينظر إلى القانون كأداة لتحقيق العدالة وليس كأداة لتحقيق الصحة. فنحن نتوقع أن تجرى معارك القضاء على الأوبئة داخل العيادات أو في المجتمع، ولكن لا نتوقع أن يكون ذلك في ساحة محكمة، إلا أن القوة التي يتمتع بها القانون في المساعدة على مكافحة ما يعانى منه العالم من وباء تعاطي التبغ أمر لا يمكن الآن دحضه. إن القانون إذا ما استخدم استخداماً منظماً يمكنه أن يستثير حمية الشعوب لصحتها، ويقوى من السياسات العامة، ويجبر ما يقع من أضرار، ومن ثم ينتهي به الأمر إلى تدعيم العدالة والصحة على حد سواء.
إن هذه الأداة الجديدة القوية سلاح ذو حدين لا يحسن كل أحد استخدامه، فهي كالنار – قد تضيء وقد تحرق. إلا أن القانون قد أصبح الآن عنصراً لا غناء عنه في جدول الأعمال الشامل لمكافحة التبغ في العالم وتسعى الدول متطلعة إلى أن تأخذ من قبس هذه القوة. فلقد حان الوقت لمجتمع الصحة العالمي أن يتوحد على هدف مشترك واحد، وأن يكون هذا على أساس من الحكمة والبصيرة واستهداف نفع كل الدول. لقد حان الوقت لأن تسخر أدوات القانون لتكون في خدمة الصحة في كل أنحاء العالم وكذلك العدالة في كل أنحاء العالم.

قائمة المشاركين

شكر
أعد هذا التقرير بمساعدة "مشاورة منظمة الصحة العالمية حول المقاضاة والتحقيقات العامة كأداة من أدوات الصحة العامة" التي جرت في الأردن في الفترة من الخامس إلى السابع من فبراير 2001، ونتوجه بالشكر لكل المشاركين في هذا الاجتماع على مداخلاتهم. (ويتضمن الملحق رقم (1) قائمة كاملة بالمشاركين).
كما نود أيضاً أن نعرب عن شكرنا لمنظومة الأمم المتحدة على جهودها المستمرة في دعم مكافحة التدخين. وجدير بالتنويه أيضاً الإسهامات التي قدمها الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري، المدير الإقليمي لشرق المتوسط والدكتور ديرك ياخ والسيدة تشيترا صبرامانيام والدكتورة فاطمة محمد سليم العوا، في تجميع هذا التقرير وإخراجه على الصورة التي يبدو بها الآن. كما نتوجه بشكرنا أيضاً لفريق تحليل السياسات والاتصال التابع لإدارة الأمراض غير السارية والصحة النفسية.
******







0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More